رامي حلس وملف الأوقاف في غزة: جدل سياسي وديني يرافق تعيينه ضمن لجنة التكنوقراط

أثار تكليف رامي حلس بملف الأوقاف والشؤون الدينية ضمن ما يُعرف باللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، المنبثقة عن لجنة تكنوقراط مرتبطة بمجلس السلام العالمي، موجة واسعة من الجدل السياسي والديني في أوساط فلسطينية، لا سيما في قطاع غزة، على خلفية مواقفه المعلنة ومنشوراته السابقة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويأتي هذا الجدل في ظل حساسية المرحلة التي يمر بها القطاع، بعد حرب إبادة إسرائيلية مدمّرة خلّفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، بما في ذلك المساجد والمؤسسات الدينية، ما جعل ملف الأوقاف والشؤون الدينية من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.
إعلان المهمة وخطاب “المنهج الوسطي”
أعلن حلس، في تصريحات ومنشورات منسوبة إليه، عزمه تشكيل فريق عمل يمتد من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، بهدف “نشر المنهج الوسطي المعتدل، ونبذ الفرقة والخلاف، ومحاربة التطرف والمناهج المنحرفة”، إضافة إلى “تجديد وتوحيد الخطاب الديني الوسطي المعتدل، وتعزيز التعايش بالمحبة وحسن الجوار مع أبناء الشعب الفلسطيني من الطائفة المسيحية وغيرها من أبناء الشرائع السماوية الثلاث”.
وبحسب مراقبين فإن هذه العناوين، رغم طابعها التوافقي لغويًا، لم تُخفِ إشكالية أعمق تتعلق بخلفية حلس السياسية وموقفه المعلن من فصائل المقاومة، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول توظيف “الخطاب الديني المعتدل” في الصراع السياسي الداخلي الفلسطيني.
مواقف حادة من المقاومة
تستند الانتقادات الموجهة إلى حلس إلى منشورات سابقة له على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، تضمّنت هجومًا مباشرًا على فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس.
ومن بين أكثر العبارات التي أثارت ردود فعل واسعة، وصفه لما جرى في غزة بأنه “طوفان الأقصى المزعوم”، معتبرًا أن غزة “أُغرقت في وحل الجهل والدمار والقتل والتشرد والنزوح، والفاقة والمعاناة، وعشرات الآلاف من الشهداء، ومئات الآلاف من الجرحى والثكالى والمرضى والأسرى”.
ويرى معارضوه أن هذا الخطاب يتجاوز النقد السياسي إلى تبنّي رواية تُحمل المقاومة كامل مسؤولية الكارثة الإنسانية في غزة، مع تجاهل السياق الأوسع المتمثل بالاحتلال والحصار والحرب الإسرائيلية.
وفي منشورات أخرى، دعا حلس موظفي السلطة الفلسطينية إلى ترك وظائفهم في حال أبدوا تعاطفًا مع فصائل المقاومة، مستخدمًا تعبيرات حادة، من بينها قوله إن “السلطة لفلسطينية ليست صرافًا آليًا”، وإن من يتعاطف مع “حركة حماس الإخونجية وأذناب إيران” – على حد وصفه – عليه أن يغادر موقعه الوظيفي.
كما كتب أن “الدين اكتمل ببعثة سيدنا النبي محمد ولا نحتاج لأي تنظيم أياً كان مسماه ينسب للإسلام كذبًا وزورًا”، في إشارة فسّرها منتقدون على أنها هجوم مباشر على الحركات الإسلامية السياسية، وليس مجرد نقاش فكري أو فقهي.
ولاء سياسي معلن
تُظهر منشورات حلس أيضًا انحيازًا سياسيًا واضحًا لحركة فتح وقيادة السلطة الفلسطينية. فقد كتب في أكثر من مناسبة إشادات مباشرة بقيادات أمنية، وعلى رأسها اللواء ماجد فرج، الذي وصفه بـ“أسد المخابرات العامة الفلسطينية”، داعيًا له بالحفظ والسلامة.
وفي ذكرى انطلاقة حركة فتح، كتب حلس منشورًا قال فيه: “لأنها حركة فتح الأبية أم الجماهير، وصانعة التاريخ، ومفجرة الثورة الفلسطينية… عاشت فتح برجالها وشبيبتها وماجداتها وزهراتها الأوفياء”، وهو ما اعتبره منتقدوه دليلًا على انتماء سياسي صريح يتعارض – برأيهم – مع موقع يفترض أن يكون جامعًا ومحايدًا، خاصة في ملف ديني حساس.
ويثير تكليف حلس تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي ستلعبه اللجنة المكلفة بإدارة قطاع غزة، وحدود الفصل بين العمل التقني والاصطفاف السياسي.
كما يطرح أسئلة حول ما إذا كان ملف الأوقاف والشؤون الدينية سيتحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل الخطاب الديني بما يتماشى مع توجهات سياسية محددة، أم أنه سيحافظ على استقلاليته في مجتمع أنهكته الحرب والانقسام.
حتى الآن، الجهة التي كلّفت حلس بآليات الرقابة أو الضمانات المتعلقة بحيادية الملف الديني. وفي ظل هذا الغموض، يبقى تعيينه نقطة اشتباك جديدة في مشهد فلسطيني بالغ التعقيد، حيث تختلط السياسة بالدين، وإدارة ما بعد الحرب بصراعات الشرعية والرواية.





