قراءة في الخذلان العربي لقطاع غزة في خضم ما يعانيه من كوارث

قدّم الكاتب المصري البارز وائل قنديل قراءة قاسية ومباشرة في مشهد الخذلان العربي لقطاع غزة، في لحظة تتكثّف فيها الكوارث الإنسانية، وتتراجع فيها الفاعلية العربية إلى حدود البيانات اللفظية، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه بأدوات القتل والحصار والتجويع، تحت غطاء سياسي دولي وإقليمي واضح.
وانطلق قنديل في مقال له، من صورة الطفل الفلسطيني العائد حافي القدمين إلى بقايا خيمة ممزقة، حاملاً إناءً فارغاً، ليفكك المفارقة الصادمة بين هذا الواقع المأساوي، وبين الخطاب السياسي الذي يحتفي بإشارات أمريكية عن “المرحلة الثانية” من خطة لم تحقق مرحلتها الأولى سوى تعميق الجوع والعطش والموت.
وتساءل الكاتب النصري بمرارة عن جدوى الحديث عن مراحل سياسية بينما تُحرق استحقاقات المرحلة الأولى، ويُترك الفلسطينيون فريسة للبرد والغارات.
ورأى قنديل أن التركيز الإعلامي على شدة المنخفضات الجوية التي تضرب غزة لا يعدو كونه هروباً من مواجهة الحقيقة الأساسية: عجز عربي مزمن، وقدرة فائقة على خذلان شعب محاصر، صدّق وعوداً زائفة بأن خطة ترامب ستؤمّن الغذاء والدفء والحماية، في وقت لم تتوقف فيه آلة القتل الإسرائيلية، حتى خلال ما سُمّي زوراً “وقف إطلاق النار”.
حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة ويكيبيديا
استند الكاتب المصري إلى أرقام صادمة صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تكشف حجم الخروقات الإسرائيلية خلال المرحلة الأولى من الاتفاق.
فقد سُجل القطاع نحو 1244 خرقاً، أسفرت عن 1760 فلسطينياً بين شهيد وجريح ومعتقل، من بينهم 449 شهيداً و1246 مصاباً و50 مختطفاً.
كما وثّقت الجهات المختصة مئات الجرائم، من إطلاق نار مباشر على المدنيين، وتوغلات عسكرية داخل المناطق السكنية، وقصف واستهداف منازل المواطنين، وعمليات نسف وتدمير واسعة للبنى المدنية.
وعلى الصعيد الإنساني، يبرز قنديل أن الاحتلال واصل سياسة الإبادة البطيئة عبر منع إدخال الغذاء والدواء والخيام، متجاهلاً التزاماته الواردة في الاتفاق والبروتوكول الإنساني.
وخلال 95 يوماً، لم يدخل إلى القطاع سوى 24,611 شاحنة مساعدات من أصل 57 ألفاً كان يفترض إدخالها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%.
أما الوقود، فلم تتجاوز الشحنات الواردة 601 شاحنة من أصل 4,750، أي بنسبة التزام تقارب 12%، ما أبقى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شلل شبه تام.
اتفاق وقف إطلاق النار في غزة
ويطرح قنديل سؤالاً مركزياً: ماذا تعني هذه الأرقام؟ ويجيب بأن معناها الأول هو أن الاحتلال، بدعم من إدارة ترامب، يتعامل مع الاتفاقات بمنطق الإحراق والقفز فوق الالتزامات.
أما معناها الأخطر، فهو أن الخذلان العربي وجد لنفسه ملاذاً آمناً داخل دهاليز خطة ترامب، التي تحولت، عملياً، إلى غطاء سياسي عربي وإسلامي لجرائم الاحتلال، عبر توقيع الضامنين الإقليميين على اتفاقات لم تُحمِ الفلسطينيين من الجوع أو القتل.
ويشير الكاتب إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق كانت كفيلة، لو توفرت إرادة عربية حقيقية، بإحداث تغيير ملموس في حياة أكثر من مليون فلسطيني محاصرين، إلا أن الواقع بقي على حاله. ويتساءل بحدة عن معنى تكدّس آلاف الشاحنات المحملة بالخيام والمساعدات على المعابر، في وقت تعجز عن دخول غزة خطوة واحدة.
ويخلص قنديل إلى أن الفلسطينيين في غزة لا تحاصرهم الرياح والأمطار وحدها، بل يحاصرهم أيضاً عجز أمة بأكملها، تبدو كخيمة مهترئة تمتد من المحيط إلى الخليج.
فالخطر الحقيقي، وفق تعبيره، لا يكمن فقط في المنخفض الجوي، بل في الانخفاض الإنساني الحاد، والهبوط إلى قاع العجز وفقدان القيمة، في لحظة تاريخية تختبر فيها غزة ضمير العالم… وضمير العرب على وجه الخصوص.





