تحليلات واراء

كيف تُجرد السلطة الشعب الفلسطيني من أدواته بمواجهة الوصاية الخارجية؟

تتزايد التحذيرات الفلسطينية من مسار سياسي وأمني تقوده السلطة الفلسطينية، يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مسارًا يُضعف قدرة الشعب الفلسطيني على الدفاع عن حقوقه، ويُمهد الطريق أمام فرض الوصاية الخارجية متعددة المستويات على القضية الفلسطينية، تحت عناوين “الإدارة” و“المرحلة الانتقالية” و“الترتيبات الأمنية”.

ويرى مراقبون أن رفض السلطة المتواصل لتحقيق مصالحة فلسطينية حقيقية، واستمرارها في التحرك ضمن هوامش ضيقة يفرضها الاحتلال، إلى جانب تقديم المصالح الحزبية والتنظيمية على المصلحة الوطنية العليا، شكل بيئة سياسية مناسبة لتجريد الفلسطينيين من أهم أدواتهم في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية، والقرار المستقل، وأشكال المقاومة السياسية والمجتمعية.

ولا ينفصل هذا المسار، وفق محللين، عن التطورات الأخيرة التي أعقبت إعلان البيت الأبيض ملامح خطة أميركية جديدة للتعامل مع قطاع غزة وما يُسمى “اليوم التالي”، وهي خطة تُقرأ فلسطينياً على أنها تأسيس عملي لنظام وصاية دولية ـ إقليمية على الشعب الفلسطيني، بصيغة أكثر تعقيدًا وتدرجًا.

أعضاء مجلس السلام العالمي الأمريكي

بحسب ما يتضح من المعطيات السياسية المتداولة، فإننا أمام مجلس وصاية متعدد الطبقات.

فالطبقة الأولى سياسية، تقودها الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب، وتتمثل في فرض تصورات أميركية ـ إسرائيلية شاملة حول جوهر القضية الفلسطينية، بما يشمل مستقبل الأرض والحقوق والسيادة والتمثيل السياسي، خارج أي مرجعية وطنية فلسطينية جامعة.

أما الطبقة الثانية، فهي مجلس تنفيذي مكلف بإدارة تفاصيل خطة ترمب المتعلقة بقطاع غزة، ويُتوقع أن يرأسه نيكولاي ميلادينوف، ويضم أطرافًا عربية ودولية تؤدي أدوارًا إشرافية وتنفيذية وتنسيقية، بما يحول غزة إلى ملف إداري وأمني تديره قوى خارجية، لا كجزء من كيان وطني فلسطيني موحد.

وتقع تحت هذا المجلس مباشرة ما يُعرف باللجنة الإدارية لقطاع غزة، وهي الجهة التي ستتعامل ميدانيًا مع السكان، وتدير الشأن اليومي والخدماتي، في صيغة تُقصي الإرادة الشعبية، وتُفرغ أي حديث عن “حكم ذاتي” أو “إدارة فلسطينية” من مضمونه الحقيقي.

الانقسام الداخلي ويكيبيديا

يرى منتقدو السلطة أن أخطر ما في المشهد ليس فقط مشروع الوصاية ذاته، بل البيئة السياسية الفلسطينية التي تُسهل تمريره.

فالانقسام المستمر، وغياب استراتيجية وطنية موحدة، واستمرار التنسيق الأمني، ورفض إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية، كلها عوامل تُضعف الموقف الفلسطيني وتجعله هشًا أمام الضغوط الخارجية.

ويشير هؤلاء إلى أن السلطة، بدل أن تعمل على تحصين الجبهة الداخلية، اتجهت إلى سياسات تُقيد الفعل الشعبي، وتُجرم المقاومة بأشكالها المختلفة، وتُفرغ المؤسسات الوطنية من دورها، ما أدى عمليًا إلى نزع “السلاح السياسي” من يد المجتمع الفلسطيني، وتركه مكشوفًا أمام مشاريع الوصاية.

وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ تُقدم مشاريع الوصاية بوصفها حلولًا إنسانية أو إدارية لتخفيف معاناة الفلسطينيين، في حين أن جوهرها، بحسب محللين، يتمثل في السيطرة على القرار الفلسطيني، وإعادة هندسة التمثيل السياسي، وفصل غزة عن سياقها الوطني، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف إغاثي ـ أمني.

في المقابل، يرى متابعون أن فرص نجاح هذا المشروع، رغم خطورته، ليست مضمونة. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن أي وصاية تتجاوز الإرادة الشعبية تصطدم عاجلًا أو آجلًا برفض المجتمع الواقع تحتها. غير أن إفشال هذا المسار يتطلب، وفق هؤلاء، يقظة داخلية عاجلة، وتحركًا فلسطينيًا منسقًا في “مساحات الممكن”.

ويشمل ذلك، بحسب تقديرات سياسية، التعامل بحذر شديد مع أي لجان إدارية مفروضة، دون منحها شرعية سياسية، والعمل بالتوازي على إعادة الاعتبار للأجسام الفلسطينية المعبرة عن تطلعات الشعب، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها، وإعادة بناء وحدة وطنية حقيقية تقوم على الشراكة لا الإقصاء.

ويؤكد محللون أن المعركة القائمة هي معركة وجودية على القرار الوطني الفلسطيني، فإما أن يستعيد الفلسطينيون أدواتهم السياسية والوطنية، أو يجدوا أنفسهم أمام نظام وصاية طويل الأمد، يُدار باسمهم دونهم، ويُقرر مستقبلهم خارج إرادتهم.

في ضوء ذلك، تبدو المسؤولية مضاعفة على القوى الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها السلطة، لإعادة النظر في نهجها الحالي، قبل أن تتحول الوصاية من خطر محتمل إلى واقع مفروض، تُدفع كلفته من الحقوق والسيادة والهوية الوطنية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى