رتب بلا سيادة: استعراض أمني فلسطيني في رام الله بلا أثر على حماية الشعب

أثارت صورة زيارة نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ إلى مقر قيادة جهاز الاستخبارات العسكرية في مدينة رام الله موجة واسعة من الجدل والانتقادات، بسبب ما عكسته الصورة من استعراض فجّ للسلطة وحشد من رتب عسكرية، في وقت يعجز فيه هذا الجهاز وسائر المنظومة الأمنية عن توفير أي حماية حقيقية للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وقد بدت الصورة، التي التُقطت خلال اجتماع موسّع ضمّ الشيخ وقائد جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء محمد الخطيب “نضال شاهين”، بحضور عدد كبير من كبار الضباط ومديري الإدارات والدوائر، أقرب إلى لوحة عسكرية من زمن الحروب الكبرى، لا إلى مشهد لسلطة محدودة الصلاحيات تعيش تحت الاحتلال وتفتقر لأبسط مقومات السيادة.
وخلال اللقاء، شدد حسين الشيخ على “أهمية ترسيخ سيادة القانون وتعزيز احترام كرامة المواطن”، مشيدًا بما وصفه بـ”الدور الوطني والمهني” لجهاز الاستخبارات العسكرية وباقي الأجهزة الأمنية في حفظ الأمن والاستقرار وتعزيز السلم الأهلي.
غير أن هذه العبارات، التي تكررت لعقود في خطابات مسؤولي السلطة، بدت منفصلة تمامًا عن الواقع اليومي للفلسطينيين، الذين يواجهون القتل والاعتقال والاقتحامات الإسرائيلية دون أي تدخل أو حماية من هذه الأجهزة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
السؤال الذي فجّر الانتقادات بقوة: ما الحاجة الفعلية لكل هذا العدد من القيادات عالية الرتب داخل جهاز أمني واحد، هو الاستخبارات العسكرية؟ عشرات الضباط بزيّهم الرسمي ورتبهم الرفيعة، يجلسون حول طاولة واحدة، في مشهد يوحي بقدرة عسكرية هائلة، بينما الحقيقة أن هذا الجهاز، مثل غيره من أجهزة السلطة، لا يملك سلطة فعلية على الأرض، ولا يستطيع منع جندي إسرائيلي واحد من اقتحام مدينة أو مخيم أو قرية.
كثيرون شبّهوا المشهد بصورة لاجتماع الجنرال السوفييتي غيورغي جوكوف مع قيادات الجيش الأحمر للتخطيط لدحر القوات النازية عن موسكو وستالينغراد خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن المفارقة القاسية أن هذا الاستعراض يحدث في سياق مختلف تمامًا: نائب رئيس سلطة قد يحتاج، عمليًا، إلى تنسيق أو تصريح إسرائيلي للخروج من رام الله إلى مدينة أخرى في الضفة الغربية، وسلطة يعترف رئيسها نفسه بأنها تعيش “تحت بسطار جندي إسرائيلي واحد”.
ولم تتوقف الانتقادات عند حدود السخرية من المشهد، بل طالت جوهر العقيدة الأمنية للسلطة الفلسطينية، القائمة على تضخيم الأجهزة، وتكديس الرتب، وإنفاق الموارد على هياكل بيروقراطية وأمنية متضخمة، بدل توجيه الجهد والمال نحو حماية المواطن الفلسطيني أو دعمه في صموده اليومي.
فبينما تتوسع الأجهزة الأمنية عددًا ورتبًا، تتقلص قدرة الفلسطيني على الشعور بالأمان في بيته وشارعه ومخيمه.
أداة لشراء الولاءات السياسية
يرى منتقدون أن هذا التضخم في الرتب ليس سوى أداة لشراء الولاءات السياسية، عبر الامتيازات والرواتب والمناصب، لا لبناء مؤسسة أمنية وطنية حقيقية.
إذ أن ولاءات، بحسب هؤلاء، تتبخر سريعًا مع انتهاء الامتيازات، ولا تصمد أمام اختبار حقيقي واحد يتعلق بمواجهة الاحتلال أو حماية المواطنين من بطشه.
في المقابل، لا يرى المواطن الفلسطيني أثرًا عمليًا لكل هذا “الاستعراض الأمني”. فالاقتحامات الليلية مستمرة، والاعتقالات اليومية لا تتوقف، والاعتداءات على القرى والمدن تتصاعد، في حين تقف الأجهزة الأمنية في موقع المتفرج، أو في أحسن الأحوال في موقع من يضبط الداخل الفلسطيني، لا من يواجه الخطر الحقيقي.
وعليه فإن صورة اجتماع حسين الشيخ بقيادات الاستخبارات العسكرية هي تلخيص مكثف لمأزق السلطة الفلسطينية: سلطة بلا سيادة، أجهزة بلا وظيفة وطنية، ورتب عسكرية بلا معنى.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو الحديث عن “سيادة القانون” و”كرامة المواطن” أقرب إلى شعارات فارغة، تُقال في القاعات المغلقة، بينما تُنتهك الكرامة يوميًا على الحواجز وتحت جنازير الاحتلال.
وقد آن الأوان، كما يقول كثيرون، لوقف هذا الهدر في “الفشخرة” الأمنية، ومراجعة جدية لدور ووظيفة هذه الأجهزة، إن كانت فعلًا وُجدت لحماية الشعب الفلسطيني، أم لإدارة واقع الاحتلال وتجميله بصور ورتب لا تحمي أرضًا ولا إنسانًا.




