عدوانية المجتمع الإسرائيلي تفضح زيف أوهام سلطة رام الله بالتسوية

يكشف التصعيد العسكري الإسرائيلي – الأمريكي المستمر ضد إيران مجددا عن تحولات عميقة في بنية التفكير السياسي داخل دولة الاحتلال ويفضح زيف أوهام السلطة الفلسطينية بالتسوية والرهان على تحقيق “السلام” الموعود.
فالهجوم الإسرائيلي الأمريكي الذي وقع رغم مؤشرات على تقدم في المفاوضات غير المباشرة بواسطة سلطنة عُمان، جرى التعامل معه داخل دولة الاحتلال بوصفه امتداداً طبيعياً لعقيدة أمنية قائمة على القوة والتوسع.
وجاء التصعيد كذلك في سياق تناقض واضح مع تعهدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بإنهاء الحروب، ما عكس ازدواجية في الخطاب السياسي الأمريكي بين الدعوة إلى الاستقرار والانخراط في عمليات عسكرية واسعة.
وتزامن هذا التناقض مع تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي التي تحدث فيها عن (حق إسرائيل) في توسيع حدودها، ومع خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في ميونيخ الذي دعا فيه إلى استعادة “عظمة الغرب” عبر العودة إلى أدوار أكثر صرامة في العالم.
تأييد إسرائيلي واسع للحرب
في الداخل الإسرائيلي، أظهرت ردود الفعل الشعبية والسياسية مستوى مرتفعاً من التأييد للحرب بحسب تقرير لموقع ميدل إيست آي البريطاني.
وأشار الموقع إلى أنه رغم سقوط مدنيين في إيران، سادت في الخطاب العام رواية تبرر العمليات العسكرية باعتبارها دفاعاً عن الأمن القومي أو دعماً لتحرير شعوب المنطقة.
ويعكس هذا المزاج وفق مراقبين، تحولاً بنيوياً في المجتمع الإسرائيلي باتجاه قبول استخدام القوة كأداة أولى في إدارة الصراعات.
ويلاحظ أن الدعم للحرب لم يقتصر على اليمين الإسرائيلي الحاكم، حيث أن قوى المعارضة الرئيسية، بما فيها تيار يائير لابيد، لم تطرح اعتراضات جوهرية على المسار العسكري، بل أيدت في مراحل سابقة فكرة توسيع المجال الحيوي الإسرائيلي.
ويمثل هذا الإجماع السياسي الواسع داخل دولة الاحتلال تراجع الفوارق بين التيارات في القضايا الخارجية، مقابل تركيز الخلافات على الشأن الداخلي.
تبدل أولويات المجتمع الإسرائيلي
على مدى العقدين الماضيين، أسهمت التحولات الديموغرافية وصعود التيارات الدينية القومية في إعادة تشكيل أولويات المجتمع الإسرائيلي.
فقد تعززت مكانة الخطاب الذي يربط بين الأمن والتوسع، وتراجعت المساحات التي كانت تمنح وزناً أكبر للدبلوماسية أو للتسويات الإقليمية. في هذا السياق، يُنظر إلى الحرب باعتبارها أداة مشروعة لإعادة رسم موازين القوى.
وبحسب مراقبين فإن الرسالة التي يتلقاها الشارع الإسرائيلي من الغرب واضحة باستمرار الدعم السياسي والعسكري، رغم حرب الإبادة الجماعية في غزة، واحتلال أجزاء من سوريا ولبنان، وتنفيذ ضربات في اليمن.
ويرسخ ذلك قناعة بأن التحرك العسكري لا يترتب عليه ثمن سياسي كبير على المستوى الدولي، حتى مع وجود دعاوى قانونية ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تتعلق بجرائم في غزة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تجد سلطة رام الله نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، حيث خطابها السياسي يقوم على الرهان على المجتمع الدولي، وعلى فرضية أن دولة الاحتلال يمكن دفعها نحو تسوية عبر الضغوط الدبلوماسية.
غير أن الإجماع الإسرائيلي حول الحرب والتوسع يضعف هذه الفرضية، ويظهر محدودية تأثير الرهان على تغير داخلي في تل أبيب.
بالنسبة لسلطة رام الله، فإن تصاعد النزعة العسكرية لدى دولة الاحتلال يضع مشروع التسوية أمام انحسار كامل، حيث أن المجتمع الإسرائيلي الذي يتوحد حول الحرب لا يظهر استعداداً لتقديم تنازلات سياسية جوهرية وهو ما يفرض إعادة تقييم للرهانات القائمة، في ظل تحولات إقليمية متسارعة.
ويشير التاريخ إلى أن النماذج القائمة على القوة الصلبة تواجه حدوداً مع الزمن، غير أن المرحلة الراهنة تُظهر أن المجتمع الإسرائيلي يعيش لحظة تعبئة قصوى، فيما تبقى خيارات القوى الفلسطينية الرسمية مقيدة بين ضغوط الداخل ومتغيرات الخارج.
وفي هذا السياق، يتبدى التباين الحاد بين خطاب التسوية والواقع الميداني، بما يعيد رسم معادلة الصراع في السنوات المقبلة.





