سيناريوهات الحرب على إيران والنفوذ الإسرائيلي ومصير القضية الفلسطينية

تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولات استراتيجية عميقة قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، مع انعكاسات مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية في وقت يرتبط الصراع الجاري بإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي، وبمحاولة فرض واقع سياسي جديد في المنطقة.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي من رام الله هاني المصري أن نتائج الحرب على إيران ستترك تأثيراً كبيراً على قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لأن إيران تمثل إحدى القوى الإقليمية التي تقف في وجه استكمال مشروع الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط تحت المظلة الأمريكية.
مشروع الهيمنة الإسرائيلية
يشير المصري إلى أن الولايات المتحدة تعمل منذ سنوات على إعادة ترتيب الشرق الأوسط بطريقة تسمح لها بتقليص انخراطها المباشر في المنطقة، مع منح تل أبيب دوراً مركزياً في إدارة شؤونها الأمنية والسياسية.
ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى التفرغ لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد على الساحة الدولية، والذي يهدد الهيمنة الأمريكية التقليدية ويفتح الباب أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ومن هذا المنظور، تصبح الحرب على إيران جزءاً من محاولة إعادة رسم التوازنات الإقليمية بما يضمن بقاء دولة الاحتلال القوة المهيمنة في المنطقة.
انعكاسات محتملة على القضية الفلسطينية
في حال تمكنت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال من تحقيق انتصار واضح في الحرب، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تسريع تنفيذ مشاريع سياسية تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.
ويتوقع المصري أن يشمل ذلك توسيع عمليات الضم في الضفة الغربية، وتسريع سياسات التهويد في القدس، وتكريس واقع الفصل العنصري، إلى جانب الدفع نحو موجات تهجير داخلية وخارجية للفلسطينيين.
كما قد يؤدي هذا السيناريو إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية تتعلق بالسكان فقط، مع تجاوز حقوق اللاجئين الفلسطينيين وإضعاف المطالبة بحق تقرير المصير.
وفي هذا الإطار، قد يشهد ملف التطبيع بين تل أبيب وعدد من الدول العربية والإسلامية دفعة جديدة، خصوصاً إذا جرى فك الارتباط بين التطبيع وبين حل القضية الفلسطينية.
سيناريو الانتصار الحاسم
رغم هذه الاحتمالات، يرى المصري أن سيناريو الانتصار الحاسم في الحرب يبقى ضعيفاً نسبياً. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب الكبرى في المنطقة غالباً ما تنتهي بتسويات أو بنتائج جزئية، وليس بحسم كامل لطرف على حساب آخر.
وقد تتمكن واشنطن وتل أبيب من تحقيق بعض الإنجازات العسكرية أو السياسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي شامل.
بموازاة ذلك فإن من السيناريوهات الأكثر ترجيحاً، بحسب المصري، أن تنتهي الحرب بنتيجة يمكن وصفها بـ”الخسارة المتبادلة”. وفي هذا السيناريو قد تتعرض إيران لضربات عسكرية أو اقتصادية مؤلمة، لكنها تحتفظ بنظامها السياسي وقدرتها على التأثير الإقليمي.
وإذا انتهت الحرب مع بقاء النظام الإيراني، سواء باتفاق حول البرنامج النووي أو بدونه، فإن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال قد تواجهان صعوبة في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية.
وفي هذه الحالة، قد تعود المنطقة إلى نمط “إدارة الصراع” بدلاً من حسمه.
تهميش القضية الفلسطينية
على المدى القصير، أدت الحرب بالفعل إلى تراجع الاهتمام الدولي والعربي بالقضية الفلسطينية.
فالتطورات العسكرية في المنطقة صرفت الأنظار عن الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي الوقت نفسه، شهدت الأراضي الفلسطينية تصعيداً في الإجراءات الإسرائيلية، بما في ذلك استمرار العمليات العسكرية في غزة وتشديد القيود في الضفة الغربية.
كما شملت الإجراءات إغلاق المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، في خطوة غير مسبوقة منذ احتلال القدس عام 1967.
سيناريو العودة إلى إدارة الصراع
إذا انتهت الحرب بنتيجة غير حاسمة، فقد تعود القضية الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل عملية “طوفان الأقصى”. ويعني ذلك استمرار الوضع القائم، مع إدارة الصراع بدلاً من حله.
وقد يتعزز هذا السيناريو في حال حدوث تغييرات سياسية داخل إسرائيل، مثل فشل الائتلاف الحاكم الحالي في الانتخابات المقبلة.
وهناك احتمال آخر يتمثل في عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي.
لكن هذا السيناريو يتطلب توفر حوامل سياسية متعددة، تشمل موقفاً فلسطينياً موحداً ودعماً عربياً وإقليمياً واضحاً.
كما قد يرتبط بتغيرات في السياسة الأمريكية أو بتشكل تحالفات دولية جديدة ترفض الهيمنة الأحادية وتدعم حل الصراع على أساس القانون الدولي.
ومن السيناريوهات المطروحة أيضاً تحول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى صراع حقوق مدنية وسياسية داخل فضاء واحد.
وقد يحدث ذلك إذا فشل الفلسطينيون في توحيد صفوفهم وتنظيم أنفسهم حول رؤية سياسية مشتركة لمواجهة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
وفي هذه الحالة قد يتحول الصراع تدريجياً إلى معركة طويلة من أجل الحقوق المدنية والسياسية داخل واقع سياسي واحد.
ويؤكد المصري أن تأثير الحرب على إيران في مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد فقط بنتائج المواجهة العسكرية بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على إعادة بناء مشروعهم الوطني وتغيير المقاربات السياسية الحالية.
ويرى أن التحدي الأكبر يكمن في توحيد الصفوف الفلسطينية وتطوير استراتيجية سياسية قادرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
وفي نهاية المطاف، تبقى نتائج الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن مستقبل القضية الفلسطينية سيظل مرتبطاً بشكل وثيق بموازين القوى الجديدة التي ستفرزها هذه المواجهة الإقليمية الكبرى.





