تحليلات واراء

أسباب تكرار شبكة أفيخاي إشاعات سفر قيادات المقاومة بتوجيهات إسرائيلية

تكشف موجة الشائعات المتكررة حول “سفر قيادات من حركة حماس والمقاومة من قطاع غزة” عن نمط منظم من الحرب المعلوماتية يتجاوز التضليل الإعلامي إلى محاولة صناعة أهداف استخبارية تمهيداً لاستهدافها ميدانياً.

وتداولت حسابات الذباب الالكتروني لسلطة رام الله وشبكة أفيخاي الإسرائيلية إشاعة مغادرة القيادي في حماس مشير المصري للقطاع بتنسيق مع أطراف خارجية، وهي رواية نفتها مصادر مطلعة بشكل قاطع، مؤكدة أنها “مفبركة بالكامل ولا تستند إلى أي أساس واقعي”.

ويأتي النفي في وقت تتكرر فيه مثل هذه المزاعم دون تقديم أدلة، ما يعزز الشكوك حول دوافعها الحقيقية.

وتعكس هذه الشائعات، وفق قراءة تحليلية، ثلاث وظائف رئيسية في سياق الحرب النفسية. أولها، اختبار البيئة المعلوماتية، عبر دفع الجمهور لتداول معلومات غير مؤكدة، بهدف استدراج أي تفاصيل قد تُستخدم لاحقاً في بناء صورة استخبارية دقيقة عن تحركات القيادات أو أماكن وجودها.

وتتمثل الوظيفة تتمثل في التشويش على الرأي العام الفلسطيني، من خلال ضرب الثقة بين الحاضنة الشعبية وقيادات المقاومة، عبر الإيحاء بوجود “تنسيقات سرية” أو “تحركات غامضة”، بما يخلق حالة من الإرباك والشك داخل المجتمع.

أما الوظيفة الثالثة، فهي ما يُعرف بـ”الاغتيال المعنوي”، حيث يجري استهداف السمعة السياسية والشخصية للقيادات، تمهيداً لأي تصعيد لاحق، سواء إعلامي أو أمني، وهو نمط تكرر في تجارب سابقة خلال النزاعات.

استهداف رموز المقاومة بالإشاعات

تُظهر متابعة المحتوى المتكرر لمرتزقة شبكة أفيخاي أن حملات التحريض تستهدف رموز المقاومة، حيث سبق أن طالت شائعات مماثلة الناطق باسم كتائب القسام وأعضاء المكتب السياسي لحماس، إلى جانب شخصيات إعلامية وصحفية، في إطار محاولة توسيع دائرة التشكيك والتأثير.

ويرتبط هذا النمط من الشائعات ببيئة رقمية معقدة، تتداخل فيها حسابات غير رسمية مع منصات إعلامية، ما يصعّب تتبع مصدر المعلومات بدقة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تكرار في الأسلوب والرسائل، يشير إلى وجود إدارة مركزية أو توجيه موحد للحملة.

يأتي ذلك في سياق أوسع من المواجهة غير التقليدية، حيث أصبحت المعلومات والبيانات جزءاً أساسياً من المعركة، سواء في جمع المعلومات أو التأثير على السلوك العام.

ويلاحظ أن توقيت نشر هذه الشائعات يرتبط غالباً بتصاعد الأحداث الميدانية أو تحركات سياسية حساسة، ما يعزز فرضية استخدامها كأداة ضغط أو تمهيد لعمليات لاحقة.

في المقابل، تعتمد الجهات المستهدفة على النفي السريع وفضح الروايات المفبركة كوسيلة لمواجهة هذا النوع من الحرب، غير أن سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من الصعب احتواء تأثيرها بالكامل.

شبكة أفيخاي ويكيبيديا

تطرح هذه الظاهرة تساؤلات حول دور “الذباب الإلكتروني” في تضخيم الشائعات، حيث يتم استخدام حسابات متعددة لإعادة نشر الرواية ذاتها بصيغ مختلفة، ما يمنحها زخماً وانتشاراً أوسع، ويعطي انطباعاً زائفاً بموثوقيتها.

ويبرز مراقبون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعياً مجتمعياً أكبر، إلى جانب تطوير آليات إعلامية قادرة على التحقق السريع والتصدي للروايات المفبركة، قبل أن تتحول إلى “حقائق متداولة” في الوعي العام.

ولطالما دفعت ماكينة الدعاية الإسرائيلية في ذروة الحرب النفسية والإعلامية الدائرة على وعي الفلسطينيين والرأي العام العربي، بسردية تزعم أن قيادات سياسية في حركة حمـاس أقدمت على طلب “تسجيل السفر” من داخل غزة عبر قنوات الاحتلال نفسها.

ويتم ذلك رغم أن الفكرة ببساطة، غير منطقية: أشخاص مطلوبون على لوائح الاغتيال سيضعون أسماءهم طوعًا في منظومة يتحكم بها الطرف الذي يلاحقهم؟ عسكريًا وسياسيًا، في ادعاء يناقض قواعد السرية والبديهة ليتضح أنه امتدادا لجهد ممنهج يتقاطع فيه الحصار والاغتيالات وسياسات التحكم بالحركة مع حملات تضليل رقمية متصاعدة.

فمن زاوية الوقائع: تاريخ الاغتيالات “المُستهدِفة” جزء راسخ من سلوك الاحتلال تجاه قادة المقاومة داخل فلسطين وخارجها، وقد طاول شخصيات من الصفين السياسي والعسكري.

ومنذ مطلع الألفية وثّقت منظمات قانونية وحقوقية نمط هذه السياسة وسياقاتها، بما فيها استهداف قيادات في مناطق متعددة، وأن أي ظهور علني لمسؤول رفيع ــ فضلًا عن تتبّع أثره في منظومات سفر إسرائيلية ــ يعرّضه لخطر فوري ومباشر بالاستهداف.

ومن زاوية “كيف يعمل” نظام الحركة والسفر: الخروج من غزة، تاريخيًا، مشروط بمنظومة تصاريح وضوابط تُدار بواسطة سلطات الاحتلال عبر وحدة منسّق أعمال الحكومة (COGAT) ونُظم فرعية، مع قيود شاقة على الفئات المسموح لها والوجهات والمعابر.

وحتى في الفترات التهدئة في قطاع غزة، يحتاج طالب التصريح إلى مسارات تدقيق أمنية وإجرائية طويلة، وغالبًا ما تُرفض الطلبات أو تُلغى بلا تعليل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى