أرقام التهجير تتصاعد والسلطة في موقع المتفرج

في ظلّ التصعيد المتواصل في الضفة الغربية وقطاع غزة، تتكشّف ملامح مشهد معقّد لا يقتصر على جرائم الاحتلال والمستوطنين، بل يمتد ليعكس خللًا عميقًا في أداء أجهزة السلطة ودورها السياسي والأمني.
فوفق تقرير حديث لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني خلال 12 شهرًا حتى 31 أكتوبر 2025، في ظل تسارع الاستيطان وتصاعد غير مسبوق في وتيرة العنف في الضفة الغربية المحتلة.
وقد وثّق التقرير 1732 حادثة عنف نفذها مستوطنون خلال الفترة المذكورة، مقارنة بنحو 1400 حادثة في الفترة التي سبقتها، شملت اعتداءات جسدية، وتخريب ممتلكات، وتدمير منازل وأراضٍ زراعية.
كما أشار إلى المصادقة على بناء نحو 36,973 وحدة استيطانية في شرق القدس، إلى جانب حوالي 27,200 وحدة في باقي أنحاء الضفة الغربية، فضلًا عن إنشاء 84 بؤرة استيطانية جديدة، وهو رقم غير مسبوق.
وبحسب تقديرات فلسطينية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية حتى نهاية عام 2024 نحو 770 ألف مستوطن، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، في مشهد يعكس تسارعًا خطيرًا في فرض الوقائع على الأرض.
السلطة في موقع المتفرج
وفي مقابل هذه الأرقام الصادمة، يتكرّس فشل السلطة في أداء دورها، حيث لا يتجلّى العجز فقط في عدم قدرتها على حماية المواطنين، بل يظهر بشكل أوضح في طبيعة أولوياتها الأمنية.
فقد وجّهت أجهزتها جهودها نحو ملاحقة المقاومة، كما حدث في جنين اليوم الثلاثاء، حين جرى التفاخر بمصادرة أسلحة تابعة للمقاومة ونشر ذلك عبر وسائل الإعلام، في مشهد يعكس انفصالًا واضحًا عن واقع التهديدات الحقيقية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين، وتُرتكب مجازر بحق العائلات الفلسطينية، تغيب أي استجابة فعلية من قبل هذه الأجهزة، التي تبدو في حالة تراجع أمام المستوطنين المسلحين، حتى في حالات إغلاق الطرق وفرض السيطرة الميدانية.
وفي سياق ميداني يعمّق هذا المشهد، برزت حادثة انسحاب أجهزة السلطة عصر اليوم، من شوارع نابلس في وضح النهار، بما أفسح المجال أمام قوات الاحتلال لتأمين اقتحام المستوطنين لقبر يوسف.
وقد أثار هذا المشهد حالة من الغضب والاستفزاز في أوساط المواطنين، خاصة أنه جاء في ظل تصاعد جرائم المستوطنين في الضفة، ومنها جريمة قتل عائلة كاملة في بلدة طمون قبل أيام.
ويأتي هذا التطور تطبيقًا لقرار وزير جيش الاحتلال السماح للمستوطنين باقتحام قبر يوسف ليلًا ونهارًا، لأول مرة منذ نحو 25 عامًا، وذلك ضمن تفاهمات ضمّت وزير الجيش يسرائيل كاتس، وعضو الكنيست تسفي سوكوت، ورئيس قسم الاستيطان يشاي ميرلينغ، لفتح الموقع بشكل دائم أمام المصلين.
وتمثل هذه الخطوة سابقة منذ إخلاء المدرسة الدينية من الموقع، وتحمل دلالات خطيرة في سياق فرض واقع جديد على الأرض، خاصة في مدينة نابلس التي تشهد توترات متواصلة.
أما على الصعيد السياسي، فيبرز غياب التحرك الدبلوماسي الفاعل، حيث لم تُترجم خطورة ما يجري، سواء في الضفة الغربية أو في المسجد الأقصى، إلى خطوات عملية على المستوى الدولي. ويقتصر الدور الرسمي على بيانات الإدانة، دون استثمار حقيقي للأدوات السياسية والقانونية المتاحة.
وتعكس هذه الوقائع، بأرقامها ومعطياتها، حالة من العجز البنيوي في أداء السلطة، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات بشكل غير مسبوق، وتتعمّق فيه معاناة المواطنين على الأرض.




