تحليلات واراء

قرارات عباس الانتخابية.. حسابات السلطة في زمن الانهيار الفلسطيني

أثار إعلان رئيس سلطة رام الله محمود عباس عن تعديلات جديدة مرتبطة بالعملية الانتخابية، بما في ذلك رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو وخفض نسبة الحسم إلى 1%، موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول توقيت هذه الخطوات وأولويات قيادة السلطة في ظل واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الفلسطيني الحديث.

ويبرز مراقبون أن هذه القرارات تعكس فجوة متزايدة بين حسابات القيادة السياسية والواقع اليومي للفلسطينيين، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الكارثية على قطاع غزة، وما خلفته من دمار واسع ونزوح جماعي ومأساة إنسانية غير مسبوقة، إلى جانب تفاقم الأوضاع في الضفة الغربية بفعل الحواجز العسكرية والاقتحامات واعتداءات المستوطنين.

ففي وقت يبحث فيه الفلسطينيون عن الأمن والغذاء والعلاج والمأوى، بدا الحديث عن زيادة أعداد النواب وترتيبات المقاعد الانتخابية وكأنه نقاش منفصل عن الأولويات العاجلة لشعب يعيش تحت الاحتلال، ويواجه أزمات وجودية تمس أساس الحياة اليومية.

ويقول المراقبون إن الأزمة ليست في مبدأ الانتخابات بحد ذاته، باعتبارها مطلبًا ديمقراطيًا طال انتظاره، وإنما في محاولة التعامل مع المشهد وكأن الفلسطينيين يعيشون ظروف دولة مستقرة تمتلك سيادة كاملة ومؤسسات طبيعية، بينما الواقع على الأرض مختلف تمامًا.

فلا قطاع غزة يعيش حالة طبيعية تسمح بحياة سياسية وانتخابية منتظمة، ولا الضفة الغربية تملك فضاءً حرًا كاملًا بعيدًا عن القيود الأمنية والعسكرية، في ظل غياب السيطرة الفلسطينية الفعلية على الأرض والمعابر والحدود.

مجلس أكبر أم أزمة تمثيل أعمق؟

أكثر النقاط إثارة للجدل تمثلت في رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وهو رقم اعتبره مراقبون مبالغًا فيه مقارنة بواقع النظام السياسي الفلسطيني وحجم الصلاحيات المتاحة للمؤسسات المنتخبة تحت الاحتلال.

وتساءلت أصوات فلسطينية: ما الحاجة إلى زيادة عدد النواب إذا كانت التجربة السابقة للمجلس التشريعي انتهت إلى الشلل والتعطيل؟ وهل المشكلة الفلسطينية اليوم هي نقص المقاعد أم غياب القدرة السياسية على تحويل المؤسسات إلى أدوات فعلية لحماية المواطنين والدفاع عن مصالحهم؟

فالانتقادات الموجهة لعباس تنطلق من أن الأولوية يجب ألا تكون توسيع الهياكل السياسية القائمة، بل مراجعة أسباب فشلها، ومعالجة الانقسام الطويل الذي دمّر الحياة السياسية الفلسطينية وحوّل المؤسسات إلى ساحات صراع بدل أن تكون أدوات لخدمة الناس.

ويرى هؤلاء أن المواطن الفلسطيني لم يعد يبحث عن شعارات سياسية كبرى أو مناصب إضافية، بل عن أبسط حقوق الحياة: أن يعيش أبناؤه بأمان، وأن يحصلوا على التعليم والعلاج، وأن يخرج المجتمع من دوامة الحروب والانقسام والانهيار الاقتصادي.

غزة والضفة خارج الحسابات الرسمية

تتركز الانتقادات الأكثر حدة على أن الخطاب السياسي الرسمي لا يعكس حجم الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزة، حيث يعيش مئات الآلاف ظروف نزوح قاسية بعد فقدان المنازل ومصادر الدخل، بينما تعاني الضفة الغربية من واقع أمني وسياسي شديد التعقيد.

ويعتبر مراقبون أن الحديث عن ترتيبات انتخابية في هذه اللحظة يجب أن يبدأ من سؤال أساسي: كيف يمكن إجراء انتخابات حقيقية في مجتمع ممزق جغرافيًا وسياسيًا وإنسانيًا؟

فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع وقوانين وأعداد مقاعد، بل تحتاج إلى بيئة تسمح بحرية الحركة والتنظيم والتعبير، وتضمن أن يشعر المواطن بأن صوته قادر على إحداث تغيير حقيقي.

أزمة رؤية وليست أزمة أرقام

تكشف حالة الجدل الحالية عن أزمة أعمق داخل النظام السياسي الفلسطيني، تتجاوز مسألة عدد أعضاء المجلس التشريعي أو نسبة الحسم، وترتبط بالسؤال الأكبر حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات.

فالانتقاد الأساسي الموجه لعباس يتمثل في أن التعامل مع الفلسطينيين كأنهم يعيشون داخل دولة مكتملة الأركان قد يرسل صورة غير دقيقة عن واقع شعب ما زال تحت الاحتلال، ولا يمتلك السيطرة الكاملة على أرضه وقراراته.

ويرى أصحاب هذا الموقف أن أي عملية سياسية جديدة يجب أن تنطلق أولًا من الاعتراف بحجم الانهيار، وترميم المجتمع الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والقيادة، بدل التركيز على هندسة مؤسسات قد تبقى عاجزة أمام الواقع القائم.

وفي ظل استمرار المعاناة الفلسطينية، يبقى السؤال المطروح: هل يحتاج الفلسطينيون اليوم إلى مزيد من المقاعد السياسية، أم إلى مشروع إنقاذ وطني يعيد ترتيب الأولويات ويضع الإنسان الفلسطيني وحياته وكرامته قبل حسابات السلطة والمؤسسات؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى