معالجات اخبارية

رغم وعود السلطة.. لماذا لا تنتهي أزمة الوقود في الضفة؟

للأسبوع الثاني على التوالي، تتواصل أزمة الوقود في الضفة الغربية، وسط طوابير طويلة أمام المحطات، وتوقف عدد منها عن التزويد بسبب نفاد الكميات، في مشهد لم تشهده الضفة منذ سنوات، رغم إعلان هيئة البترول أنها تضخ نحو ثلاثة ملايين لتر من الوقود يوميًا، مع وعود بزيادة الكميات خلال الأيام المقبلة.

ولم تعد الأزمة مقتصرة على نقص البنزين أو السولار، بل انعكست على مختلف مناحي الحياة، إذ بات الموظفون والطلبة والمرضى وسائقو النقل العام والتجار يواجهون صعوبة في التنقل، فيما حذرت جهات عاملة في قطاع النقل من أن استمرار النقص قد يؤدي إلى توقف خدمات النقل في بعض المناطق.

وتؤكد هيئة البترول بالضفة أن الأزمة مرتبطة بمعيقات إسرائيلية تعرقل انتظام التوريد، من بينها إطالة زمن وصول صهاريج الوقود عبر الحواجز العسكرية، إلى جانب حادث وقع قرب نعلين أدى إلى تعطيل حركة الصهاريج لساعات، إضافة إلى تهافت المواطنين على شراء الوقود وتخزينه بعد انتشار شائعات عن احتمال تفاقم الأزمة.

كما تشير الهيئة إلى أن أزمة تكدس الشيكل لدى البنوك الفلسطينية، نتيجة القيود الإسرائيلية على تحويل فائض العملة إلى البنوك الإسرائيلية، أثرت على ترتيبات استيراد المحروقات وتسديد أثمانها.

أزمة الوقود في الضفة

لكن هذه التبريرات لم تبدد تساؤلات الشارع، خاصة مع استمرار الطوابير رغم إعلان الهيئة استمرار عمليات التوريد اليومية.

ورغم تأكيد السلطة أن كميات الوقود لا تزال تدخل إلى الضفة بشكل يومي، لم تُعلن حتى الآن تفاصيل واضحة بشأن حجم الاحتياج الفعلي للسوق، أو آلية توزيع الكميات على المحافظات، أو أسباب استمرار نفاد الوقود في عدد من المحطات، الأمر الذي أبقى حالة الغموض قائمة، وزاد من الانتقادات الموجهة لإدارة الأزمة.

ويرى الباحث الاقتصادي في معهد “ماس” جميل مسيف أن تقديرات هيئة البترول بشأن الكميات الموردة لا تعكس حجم الاحتياج الفعلي للسوق الفلسطينية، موضحًا أن الاستهلاك اليومي يتجاوز 3.5 ملايين لتر، بينما يذهب نحو 75% من هذه الكميات إلى السولار المستخدم في الشاحنات والمصانع ووسائل النقل العام، مقابل نحو 25% للبنزين المستخدم في المركبات الخاصة.

ويحمّل مسيف الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الأكبر عن الأزمة، بسبب القيود المالية واحتجاز الأموال الفلسطينية، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن جزءًا من المشكلة يرتبط بطريقة إدارة ملف المحروقات محليًا، خصوصًا في العلاقة مع أصحاب محطات الوقود وآليات تنظيم السوق خلال فترات النقص.

وتفتح هذه التصريحات الباب أمام تساؤلات حول مدى جاهزية الجهات المسؤولة للتعامل مع الأزمة، خاصة أن أزمة المقاصة والقيود الإسرائيلية ليست مستجدة، ما يثير تساؤلات بشأن الخطط التي أُعدت مسبقًا لضمان استمرار تزويد السوق بالمحروقات وتقليل آثار أي نقص محتمل.

كما يلفت إلى أن تشديد الرقابة على تهريب الوقود من داخل “إسرائيل” أدى إلى إغلاق أحد المسارات التي كانت توفر كميات إضافية للسوق، إذ كانت التقديرات تشير إلى دخول نحو مليون لتر يوميًا عبر التهريب، وهو ما كان يسد جزءًا من العجز، رغم ما كان يسببه من خسائر مالية للخزينة العامة.

ويرى مراقبون أن إغلاق هذا المسار، دون توفير بدائل قادرة على سد الفجوة في السوق، ساهم في تعميق الأزمة، خصوصًا مع استمرار الطلب المرتفع على المحروقات واعتماد قطاعات حيوية، كالنقل والخدمات، عليها بشكل يومي.

ويرى مختصون أن استمرار الأزمة رغم الإعلان عن زيادة التوريد يعكس الحاجة إلى إدارة أكثر فاعلية للأزمة، من خلال نشر بيانات دورية حول حجم المخزون والكميات الموزعة على المحافظات، ووضع آلية واضحة لتوزيع الوقود على المحطات، بما يحد من الازدحام ويضمن وصول الإمدادات إلى القطاعات الأكثر احتياجًا.

كما يدعون إلى إعطاء الأولوية للنقل العام والقطاع الصحي والخدمات الأساسية، إلى جانب تشديد الرقابة على المحطات لمنع الاحتكار أو البيع خارج القنوات الرسمية، مع تعزيز الشفافية في التواصل مع المواطنين للحد من الشائعات التي تؤدي إلى زيادة الطلب بشكل غير مبرر.

ويؤكد مختصون أن إدارة الأزمات لا تقتصر على توفير الكميات، بل تشمل أيضًا الشفافية في عرض البيانات، وسرعة التواصل مع المواطنين في ظل الحديث عن قضايا فساد في ملف المحروقات، وتقديم خطة واضحة لتوزيع الوقود، بما يحد من الازدحام ويعزز ثقة الجمهور بالإجراءات الرسمية.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال الطوابير الممتدة أمام المحطات تعكس فجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني، فيما ينتظر المواطنون حلولًا عملية تنهي الأزمة بدل الاكتفاء بالوعود المتكررة.

ويرى منتقدون أن الإجراءات التي اتخذتها السلطة لم تنجح في احتواء تداعيات النقص، معتبرين أن غياب خطة واضحة لإدارة التوزيع والتواصل مع المواطنين أسهم في تعميق الأزمة وإطالة أمدها، رغم الوعود المتكررة بقرب انفراجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى