تحليلات واراء

إهمال قضية الأسرى… خطيئة سلطة رام الله الكبرى منذ تأسيسها

أعاد إقرار الاحتلال الإسرائيلي قانونه العنصري والفاشي القاضي بإعدام أسرى في سجونه، تسليط الضوء على خطيئة سلطة رام الله الكبرى منذ تأسيسها بإهمال ممنهج وشامل لقضية الأسرى ومكانتهم الوطنية.

إذ أن قيادة السلطة في المفاوضات التي انتهت إلى اتفاقيات أوسلو وما تلاها لم تعط قضية الأسرى موقعها المركزي ولم تدرجها كأولوية وطنية بل وأضعفت حضورها بالاهتمام الإعلامي والثقافي والسياسي العام.

وتكشف متابعة مسار التعامل الرسمي مع ملف الأسرى عن خلل بنيوي ممتد في أداء سلطة رام الله، حيث تراجع هذا الملف من موقعه المركزي في المشروع الوطني إلى هامش سياسي وإداري.

السلطة الفلسطينية وملف الأسرى

يُظهر السجل التفاوضي منذ اتفاقيات أوسلو أن قيادة السلطة لم تنجح في تثبيت قضية الأسرى كأولوية غير قابلة للمساومة، رغم أنها تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في الوعي الجمعي الفلسطيني.

ورغم إدراج ملف الأسرى في بعض جولات التفاوض، إلا أن التعامل معه ظل جزئيًا وموسميًا، ما سمح للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بالمماطلة وفرض شروطها دون تكلفة سياسية حقيقية.

وقد استغلت دولة الاحتلال هذا التراجع لتكريس سياسة الاعتقال كأداة دائمة لإدارة الصراع، مستفيدة من غياب ضغط سياسي فلسطيني فاعل وممنهج، وهو ما انعكس بوضوح في تعاملها مع ملف الأسرى خلال حرب الإبادة على غزة.

إضعاف رمزية قضية الأسرى

يُسجَّل على سلطة رام الله اتخاذ خطوات زادت من تعقيد المشهد، أبرزها إلغاء أو تفكيك مؤسسات وهيئات كانت تُعنى بملف الأسرى، ما أدى إلى تفريغ هذا الملف من بنيته المؤسسية، وتحويله إلى قضية ثانوية تدار بشكل إداري محدود، بدل أن تكون ملفًا وطنيًا جامعًا يحظى بأولوية سياسية.

يترافق ذلك مع قرارات مالية أثارت جدلًا واسعًا، حيث تم تقليص أو قطع رواتب عدد من الأسرى والمحررين، في خطوة اعتبرها مراقبون ضربة مباشرة لواحدة من أهم أدوات الصمود الاجتماعي، ورسالة سلبية تجاه فئة دفعت أثمانًا باهظة في مواجهة الاحتلال.

ويعكس هذا المسار تحوّلًا في أولويات السلطة، التي باتت تميل إلى إدارة الملف ضمن حسابات ضيقة مرتبطة بالضغوط الدولية، خصوصًا الأمريكية والإسرائيلية، والتي لطالما طالبت بوقف مخصصات الأسرى، في إطار ما يُعرف بسياسات “تجفيف منابع الدعم”.

وتُظهر هذه المعادلة أن السلطة وجدت نفسها بين خيارين: الحفاظ على التزاماتها تجاه الأسرى، أو الاستجابة للضغوط الخارجية، لكنها اختارت المسار الثاني، ما أدى إلى تآكل الثقة بينها وبين الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل غياب خطاب سياسي واضح يبرر هذه القرارات.

صفقات تبادل الأسرى

في المقابل، أثبتت تجارب أخرى أن ملف الأسرى يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط فاعلة إذا ما تم التعامل معه ضمن رؤية واضحة، كما حدث في صفقات التبادل التي فرضت على إسرائيل الإفراج عن أعداد كبيرة من المعتقلين، وهو ما يطرح تساؤلات حول سبب غياب هذا النهج في أداء السلطة.

وتعكس هذه الفجوة أيضًا خللًا في إدارة الخطاب العام بفعل نهج سلطة رام الله، حيث لم يعد ملف الأسرى يحتل المساحة التي يستحقها في الإعلام الرسمي، ولا في البرامج الثقافية والسياسية، ما ساهم في تراجع حضوره في النقاش العام، رغم أنه يمثل أحد أعمدة القضية الفلسطينية.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات لإعادة الاعتبار لملف الأسرى، عبر إعادة بناء مؤسساته، وضمان استمرارية الدعم المالي لعائلاتهم، وتبني خطاب سياسي واضح يضع هذه القضية في صدارة الأولويات، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الضغوط الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى