تحليلات واراء

قراءة في تعثر محفل الخداع الاستراتيجي المسمى مجلس السلام بشأن غزة

يكشف مسار ما يُعرف بـ”مجلس السلام” بشأن غزة عن تعثر بنيوي في وظيفته السياسية، وتحوله إلى إطار شكلي يفتقد القدرة على التأثير الفعلي في مسار الأحداث على الأرض.

وقد توقف المجلس عملياً عن أداء أي دور ملموس، في وقت يستمر فيه المبعوث الدولي نيكولاي ميلادينوف في طرح مقاربة نزع سلاح المقاومة، بالتوازي مع استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية داخل القطاع بصورة منهجية.

ويتزامن هذا التعثر مع واقع ميداني يتسم بتقويض مقومات الحياة الأساسية في غزة، حيث يستمر الحصار ومنع دخول المساعدات وعرقلة جهود الإغاثة، بما في ذلك منع لجنة التكنوقراط التي تم تشكيلها لإدارة القطاع من مباشرة مهامها.

ويعكس هذا التناقض فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للمجلس والواقع الفعلي الذي يشير إلى استمرار سياسة الإخضاع عبر التجويع والاستنزاف.

مجلس السلام العالمي ويكيبيديا

يظهر تحليل بنية المجلس منذ تأسيسه أنه قام على أسس سياسية إشكالية. الإعلان عنه في يناير جاء ضمن إطار دولي وإقليمي واسع، لكنه شهد غياب قوى دولية مؤثرة، ما أضعف شرعيته التمثيلية منذ البداية.

كما أن غياب التمثيل الفلسطيني داخل هيئاته يعكس اختلالاً جوهرياً في بنيته، إذ يتم بحث مستقبل قطاع فلسطيني دون مشاركة أصحابه، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية للمجلس.

ويتعزز هذا التقييم من خلال ملاحظة أن المجلس لم يحدد بوضوح الإطار الجغرافي والسياسي الذي يعمل ضمنه، حيث تم تجنب تسمية غزة بشكل مباشر في سياق التأسيس، ما يعكس توجهاً لتفريغ القضية من بعدها السياسي المرتبط بالأرض والسكان الأمر الذي يندرج ضمن سياق إعادة تعريف الصراع بطريقة تتجاوز جذوره.

وعلى مستوى الأداء، يظهر المجلس حالة من التراخي في متابعة تنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار. فرغم مرور ستة أشهر على الاتفاق، لا تزال بنوده الأساسية، وخاصة ما يتعلق بإدخال المساعدات وفتح المعابر، غير مطبقة بشكل كامل ما يعكس غياب آليات إلزام حقيقية لدى المجلس أو الراعي الدولي.

تناقض أولويات مجلس السلام العالمي

يبرز التناقض بشكل أكبر في مسألة الأولويات، حيث يتم التركيز على ملف نزع السلاح كشرط للانتقال إلى مراحل لاحقة، في حين لم يتم استكمال المرحلة الأولى التي تتعلق بتأمين الاحتياجات الإنسانية الأساسية ما يعكس مقاربة انتقائية في تطبيق الاتفاق، تتيح للطرف الأقوى فرض شروطه دون التزام متوازن.

ولم يتمكن مجلس ترامب من وقف العمليات العسكرية بشكل كامل، بل اقتصر تأثيره على خفض نسبي في وتيرة التصعيد فيما يرى مراقبون أن استمرار سقوط الضحايا خلال فترة سريان وقف إطلاق النار يعكس محدودية فعالية هذا الإطار، ويطرح تساؤلات حول جدوى وجوده.

في السياق ذاته، تتواصل عمليات القصف ومنع رفع الأنقاض، ما يعيق حتى الجهود الأولية للتعامل مع آثار الحرب بينما بقاء آلاف الضحايا تحت الأنقاض دون إمكانية انتشالهم يمثل مؤشراً على حجم الانهيار الإنساني، وعلى غياب تدخل دولي فعّال.

ويتضح أيضاً أن التعهدات المالية المرتبطة بإعادة الإعمار لم تتحول إلى إجراءات عملية. رغم الإعلان عن تخصيص مليارات الدولارات، لم يتم توجيه هذه الموارد لمعالجة الاحتياجات العاجلة، ما يعكس فجوة بين التعهد والتنفيذ.

ويطرح استمرار مشاركة عدد من الدول في هذا الإطار تساؤلات حول دوافع القبول بهذا الوضع ويشير ذلك إلى وجود اعتبارات سياسية تتجاوز البعد الإنساني، حيث يتم استخدام المجلس كغطاء دبلوماسي لإدارة الصراع دون حله، وإضفاء شرعية شكلية على استمرار الوضع القائم.

وتتجلى تداعيات هذا المسار في تآكل الثقة بفعالية الأطر الدولية، خاصة في ظل غياب نتائج ملموسة بينما قرار بعض الدول تجميد مشاركتها يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة هذا الإطار وحدود تأثيره.

ويرتبط تعثر المجلس أيضاً بالسياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل ملفات متعددة، من الحرب في غزة إلى التوترات في لبنان وإيران ما يحد من إمكانية التركيز على حل محدد، ويحول المجلس إلى جزء من إدارة أزمات متداخلة بدلاً من معالجتها.

وتظهر المؤشرات أن مجلس السلام بشأن غزة لم يُصمم ليكون أداة حاسمة لإنهاء الحرب، بل إطاراً لإدارة تداعياتها ضمن حدود معينة الأمر الذي يفسر استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، ويعكس طبيعة التوازنات التي تحكم عمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى