سنوات على اغتيال الصوت المعارض.. قضية نزار بنات تعمق أزمة الثقة بالسلطة

تحل نهاية الشهر الجاري الذكرى السادسة لجريمة قتل الناشط والمعارض السياسي نزار بنات لتعيد تسليط الضوء على أزمة منظومة العدالة داخل سلطة رم الله وواقع غياب المحاسبة.
وقُتل بنات فجر يوم 24 يونيو/حزيران 2021 عقب مداهمة قوة أمنية كبيرة مكان وجوده في منطقة الخليل جنوبي الضفة الغربية، في عملية تحولت سريعاً إلى ملف سياسي وحقوقي بعدما أكدت شهادات عائلية ومنظمات حقوقية أنه تعرض للضرب والاعتداء أثناء عملية الاعتقال، قبل إعلان وفاته بعد فترة قصيرة.
وقبل مقتله تحول نزار بنات إلى أحد أبرز الأصوات المنتقدة للسلطة الفلسطينية وقيادتها، من خلال مقاطع مصورة كان ينشرها بشكل مستمر ويتناول فيها ملفات الفساد وطريقة إدارة المؤسسات العامة والعلاقات السياسية والأمنية.
كما كان مرشحاً ضمن قائمة “الحرية والكرامة” لخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان مقرراً تنظيمها عام 2021 قبل قرار تأجيلها إلى إشعار أخر بقرار منفرد من الرئيس محمود عباس.
وشكلت طريقة اعتقاله ووفاته صدمة واسعة داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصاً أن الحادثة جاءت في ظل تصاعد الانتقادات للسلطة بعد تأجيل الانتخابات واستمرار حالة الانقسام السياسي.
وقد خرجت تظاهرات في مدن الضفة الغربية للمطالبة بكشف المسؤولين عن مقتله ومحاسبة جميع المتورطين، فيما واجهت السلطة موجة انتقادات بسبب تعاملها الأمني مع بعض الاحتجاجات التي أعقبت الحادثة.
انعدام المساءلة الكاملة
رغم إعلان السلطة الفلسطينية فتح تحقيق وتوجيه اتهامات إلى عدد من عناصر الأجهزة الأمنية الذين شاركوا في عملية الاعتقال، اعتبرت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية أن مسار القضية ظل محدوداً ولم يصل إلى مستوى المساءلة الكاملة، خصوصاً في ما يتعلق بالمسؤوليات القيادية والسياسية وراء العملية.
وركزت الانتقادات الحقوقية على أن محاكمة العناصر الأمنية فقط لا تجيب عن السؤال الأهم المتعلق بمن أصدر قرار الاعتقال، وكيف جرى التخطيط للعملية، ولماذا استخدمت القوة بهذه الطريقة ضد ناشط سياسي معروف بمعارضته العلنية.
واعتبرت جهات حقوقية أن حصر القضية في مستوى المنفذين يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ولا يقدم ضمانات تمنع تكرار حوادث مشابهة.
تكريس القمع الأمني في الضفة الغربية
كشفت قضية بنات عن إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين الأجهزة الأمنية والمجال السياسي الفلسطيني، باعتبار أن توسع القمع الأمني جاء على حساب الحريات العامة والرقابة الشعبية، وأن التعامل مع المعارضين السياسيين عبر الأدوات الأمنية أضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية.
كما أثارت القضية نقاشاً واسعاً حول استقلال القضاء وقدرته على التعامل مع الملفات الحساسة التي تشمل عناصر من الأجهزة الأمنية. فقد رأت منظمات حقوقية أن تحقيق العدالة لا يتوقف عند عقد جلسات محاكمة، بل يتطلب شفافية كاملة وإعلان نتائج واضحة ومحاسبة جميع المستويات المرتبطة بالقرار والتنفيذ.
وتحول اسم نزار بنات بعد مقتله إلى رمز لدى قطاعات فلسطينية تطالب بإصلاح سياسي ومؤسسي داخل السلطة الفلسطينية، بينما بقيت عائلته ومؤيدوه يؤكدون أن القضية لم تحصل على العدالة المطلوبة، وأن المسار الرسمي لم يعالج جوهر المشكلة المرتبطة بمحاسبة أصحاب النفوذ.
ويرى مراقبون أن استمرار الجدل حول القضية بعد سنوات يعكس أزمة ثقة متراكمة بين سلطة رام الله وجزء من الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل غياب الانتخابات وتعطل تجديد الشرعيات السياسية منذ فترة طويلة.
وبينما تؤكد السلطة الفلسطينية أنها اتخذت إجراءات قضائية بحق المتهمين، يستمر حقوقيون وعائلة بنات في التأكيد على أن العدالة لا تتحقق إلا بكشف كامل للحقيقة ومحاسبة كل من شارك في اتخاذ القرار أو وفر الغطاء للعملية.
وبعد أعوام على مقتله، تبقى قضية نزار بنات واحدة من أبرز الملفات التي تواجه السلطة الفلسطينية في مجال حقوق الإنسان، ليس فقط بسبب ظروف الوفاة، بل لأنها طرحت سؤالاً أكبر حول مستقبل الحريات السياسية والمساءلة داخل النظام الفلسطيني.




