موقف مصري مأزوم يتجاهل مواجهة تكريس هيمنة إسرائيل الإقليمية

يكشف الجدل الدائر في مصر حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيؤان عن مأزق سياسي واستراتيجي تعيشه القاهرة، بين ضغوط التحالفات الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج والولايات المتحدة، وبين إدراكها العميق لمخاطر التحولات الجيوسياسية التي قد تفضي إلى تكريس هيمنة دولة الاحتلال الإسرائيلي الإقليمية إذا انتهت المواجهة الجارية بإضعاف إيران أو كسر دورها بالكامل.
وقد برزت خلال الأيام الماضية نقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية المصرية حول إمكانية أن تلعب القاهرة دوراً في الحرب الدائرة في الخليج، خصوصاً بعد الضربات المتبادلة التي شهدتها المنطقة منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
وانقسمت هذه النقاشات بين رؤيتين متعارضتين. ترى الأولى أن التطورات الحالية قد تفتح أمام مصر فرصة للعب دور عسكري أو سياسي في حماية دول الخليج من الهجمات الإيرانية، في ظل ما يصفه بعض المحللين بتراجع الدور الأميركي المباشر في توفير مظلة حماية فعالة لحلفائه في المنطقة.
ويدعو أصحاب هذا الطرح إلى تدخل الجيش المصري لتوفير دعم عسكري أو دفاعي لدول الخليج العربية، بهدف مواجهة الضربات المتكررة التي تتعرض لها منشآت ومواقع استراتيجية في تلك الدول.
لكن هذا الطرح قوبل برفض واسع من أطراف أخرى داخل النقاش العام المصري، التي ترى أن أي تدخل عسكري محتمل سيعني تورط القاهرة في حرب إقليمية معقدة لا تخدم المصالح المصرية المباشرة.
ويؤكد هؤلاء أن مصر تواجه بالفعل تحديات أمنية وسياسية متعددة على حدودها، من بينها الأزمات في ليبيا والسودان والبحر الأحمر، إضافة إلى التوترات المرتبطة بملف سد النهضة في إثيوبيا.
وترى هذه الأصوات أن هذه الملفات تمس بشكل مباشر الأمن القومي المصري، ما يجعل من غير الواقعي انخراط القاهرة في صراع إقليمي واسع في الخليج.
التطبيع المصري الإسرائيلي
بينما احتدم الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية، التزمت القاهرة الرسمية الصمت لعدة أيام بعد اندلاع الحرب، قبل أن تتبلور تدريجياً ملامح موقف سياسي يميل بوضوح إلى دعم دول الخليج.
فقد بدأت البيانات الرسمية المصرية وتصريحات المسؤولين خلال الأيام الماضية في توجيه انتقادات حادة للهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع داخل دول الخليج العربية.
وأكدت القاهرة في مواقفها أن تلك الهجمات تمثل انتهاكاً لسيادة الدول الخليجية، مشددة على ضرورة احترام الأمن الإقليمي واستقرار المنطقة.
غير أن هذه المواقف لم تميز في كثير من الأحيان بين الضربات التي استهدفت مصالح عسكرية أميركية داخل تلك الدول وبين الأضرار التي لحقت بمنشآت أو مواقع غير أميركية.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يعكس محاولة مصرية للحفاظ على توازن دقيق بين عدة اعتبارات سياسية واقتصادية.
فمن جهة، ترتبط مصر بعلاقات اقتصادية وثيقة مع دول الخليج، حيث تعتمد القاهرة بشكل كبير على الاستثمارات والدعم المالي القادم من تلك الدول.
ومن جهة أخرى، تحرص القيادة المصرية على الحفاظ على علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترامب.
الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى لمصر
لكن في المقابل، تثير حدة الانتقادات المصرية لإيران تساؤلات لدى بعض المراقبين حول مدى اتساق هذا الموقف مع الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى للقاهرة.
فمصر تدرك جيداً أن أي انهيار كامل للدور الإيراني في المنطقة قد يفتح المجال أمام دولة الاحتلال لتعزيز نفوذها الإقليمي بشكل غير مسبوق.
وقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل تراجعاً ملحوظاً في شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، بعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها في عدة ساحات.
ورغم أن تلك الشبكات كانت تمثل في كثير من الأحيان عوامل عدم استقرار داخل الدول التي تنشط فيها، فإنها كانت في الوقت نفسه تشكل مصدر قلق استراتيجي دائم لإسرائيل، وتفرض عليها توزيع قدراتها العسكرية والسياسية على أكثر من جبهة.
ومن هذا المنظور، يرى بعض المحللين أن اختفاء هذا التوازن قد يمنح دولة الاحتلال مساحة أوسع لفرض رؤيتها الأمنية والسياسية على المنطقة.
ومع ذلك، تجد القاهرة نفسها عاجزة عن التعبير علناً عن هذه المخاوف، نظراً لتعقيدات علاقاتها الإقليمية والدولية.
فأي موقف مصري يبدو متعاطفاً مع إيران قد يُفسَّر باعتباره تحدياً لدول الخليج أو خروجاً عن التفاهمات مع واشنطن وتل أبيب. كما أن العلاقات بين هذه الأطراف الثلاثة نفسها ليست متطابقة بالكامل، إذ تختلف حسابات دول الخليج في تعاملها مع الحرب الجارية، كما تتباين تقديراتها لمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
في هذا السياق، يبدو أن الموقف المصري الحالي يحاول تجنب الدخول في صدام مباشر مع أي من هذه الأطراف، عبر تبني خطاب سياسي يركز على إدانة الهجمات الإيرانية دون الانخراط في أي تحرك عملي في الصراع.
لكن هذا التوازن الهش قد لا يستمر طويلاً. فاستمرار الحرب في الخليج، أو اتساع نطاقها، سيضع دول المنطقة أمام استحقاقات استراتيجية صعبة، قد تجبرها على تحديد مواقعها بوضوح أكبر ضمن خريطة التحالفات الإقليمية.
وبالنسبة لمصر، قد يعني ذلك مواجهة خيارات أكثر تعقيداً في المستقبل القريب، بين الحفاظ على شبكة علاقاتها التقليدية مع الخليج والولايات المتحدة، وبين التعامل مع واقع إقليمي جديد قد يتشكل إذا خرجت تل أبيب من هذه الحرب باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في الشرق الأوسط.





