تحليلات واراء

مرسوم انتخابات المجلس الوطني.. هندسة سياسية لإعادة إنتاج السلطة وتكريس التفرد

أثار مرسوم رئيس سلطة رام الله محمود عباس بشأن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، موجة انتقادات واسعة بشأن أهداف الخطوة وتوقيتها، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل مسارا حقيقيا لتجديد الشرعية أم محاولة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني وفق موازين القوى القائمة.

ويأتي المرسوم في ظل أزمة شرعية ممتدة منذ نحو عقدين، بعد تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية وغياب التداول الديمقراطي للسلطة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات الرسمية والشارع الفلسطيني.

وقال الصحفي والكاتب نبهان خريشة إن التعامل مع مرسوم عباس باعتباره خطوة ديمقراطية طبيعية أو استحقاقا مؤجلا يبدو أمرا صعبا، في ظل السياق السياسي الحالي وطبيعة النظام الفلسطيني وآليات تشكيل المجلس الوطني.

وأكد خريشة أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات من عدمه، بل بما إذا كانت ستؤدي فعليا إلى تجديد الشرعية الفلسطينية، أم ستتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام القائم ومنحه غطاء مؤسسيا جديدا.

استمرار تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية

تتركز أبرز الانتقادات على أن عباس اختار مسار انتخابات المجلس الوطني بدلا من البدء بانتخابات رئاسية وتشريعية شاملة، وهي الانتخابات التي يطالب بها الفلسطينيون منذ سنوات باعتبارها الطريق المباشر لإعادة تشكيل القيادة عبر صناديق الاقتراع.

ويشير خريشة إلى أن اختيار المجلس الوطني تحديدا يمنح القيادة الحالية قدرة أكبر على التحكم بمخرجات العملية السياسية، بالنظر إلى طبيعة تشكيل المجلس وآليات اختيار أعضائه، مقارنة بانتخابات عامة مفتوحة قد تنتج تغيرات واسعة في موازين القوى.

ويمثل المجلس الوطني الفلسطيني أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير الفلسطينية، إذ يمتلك صلاحية اختيار المجلس المركزي واللجنة التنفيذية وتحديد السياسات العامة للمنظمة، ما يجعل السيطرة عليه تعني عمليا التحكم بالهرم السياسي الفلسطيني.

وتبرز إحدى أكثر نقاط الجدل في تركيبة المجلس الجديد، إذ تنص الصيغة المطروحة على تشكيله من 350 عضوا، بينهم 200 عضو من الأراضي الفلسطينية، ونحو 150 عضوا يمثلون فلسطينيي الخارج.

وتكمن الإشكالية في صعوبة إجراء انتخابات مباشرة لفلسطينيي الشتات في العديد من الدول لأسباب سياسية وقانونية وتنظيمية، ما يفتح الباب أمام اختيار جزء كبير من الأعضاء عبر التعيين أو التوافقات السياسية بدلا من الاقتراع المباشر.

وبحسب خريشة، فإن كتلة تضم نحو 150 عضوا يتم اختيارها بآليات غير انتخابية كاملة يمكن أن تكون مؤثرة في تحديد التوازنات داخل المجلس، خصوصا مع نفوذ حركة فتح التاريخي داخل مؤسسات منظمة التحرير.

ويجعل هذا الوضع الحديث عن انتخابات شاملة محل تساؤل، لأن جزءا مهما من تركيبة المجلس سيبقى خارج المنافسة الديمقراطية المباشرة، بما يسمح بضمان أغلبية مريحة للقوى المسيطرة حاليا.

إعادة ترتيب مراكز القرار الفلسطيني

لا تقتصر أهمية العملية على انتخاب أعضاء المجلس الوطني فقط، إذ إن المجلس الجديد سيعيد تشكيل المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ما يعني إعادة ترتيب مراكز القرار الفلسطيني لسنوات مقبلة.

وبهذا الصدد يحذر خريشة من أن تتحول الانتخابات إلى عملية لإعادة بناء النظام السياسي من الأعلى إلى الأسفل، عبر تشكيل مؤسسات جديدة لكنها قائمة على قواعد تضمن استمرار النهج ذاته.

وتزداد هذه المخاوف مع ارتباط القرار بمرحلة سياسية حساسة تتصاعد فيها النقاشات بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية ومرحلة ما بعد عباس، البالغ من العمر أكثر من تسعين عاما.

ويرى مراقبون أن انتخابات المجلس الوطني قد تتحول إلى أداة لترتيب انتقال السلطة مسبقا عبر المؤسسات، بدلا من ترك الأمر لعملية انتخابية عامة تحددها إرادة الناخبين الفلسطينيين.

كما تأتي الخطوة بعد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، الذي شهد إعادة ترتيب داخلية وصعود شخصيات جديدة داخل مراكز القرار، وهو ما اعتبره محللون مقدمة لمسار أوسع يهدف إلى تثبيت نفوذ الحركة داخل منظمة التحرير.

وتتمثل نقطة خلاف أخرى في غياب التوافق الوطني، خصوصا مع بقاء قوى فلسطينية رئيسية خارج إطار العملية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار أزمة التمثيل بدلا من حلها.

ويؤكد خريشة أن تجديد الشرعية الفلسطينية يجب أن يبدأ بانتخابات رئاسية وتشريعية تسمح للمواطنين باختيار السلطة التي تدير شؤونهم اليومية، قبل إعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير.

وتتزامن هذه التحركات مع نقاشات دولية بشأن مستقبل غزة بعد الحرب والحاجة إلى وجود عنوان سياسي فلسطيني موحد، ما يعزز رغبة القيادة الحالية في إعادة تثبيت منظمة التحرير كمرجعية سياسية.

غير أن جوهر الأزمة بحسب خريشة، يبقى مرتبطا بمدى قبول الفلسطينيين أنفسهم بهذه العملية، لأن الشرعية لا تقوم فقط على الاعتراف الخارجي، بل على ثقة الجمهور الداخلي.

وتضع انتخابات المجلس الوطني المقبلة النظام السياسي الفلسطيني أمام اختبار حاسم بين تجديد حقيقي للمؤسسات أو إعادة إنتاج البنية القديمة بترتيبات جديدة، في وقت تتزايد فيه المطالب بإنهاء التفرد وفتح المجال أمام مشاركة سياسية شاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى