صراعات فتح وقيادة السلطة تطغى على أخطر تحديات القضية الفلسطينية

في الوقت الذي تشهد فيه الضفة الغربية أخطر موجة استيطان وتهجير منذ سنوات، وتتواصل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تتجه بوصلة قيادة سلطة رام الله نحو صراعات داخلية تتعلق بإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل حركة فتح والسلطة على حساب مواجهة التحديات الوجودية التي تهدد مستقبل القضية الفلسطينية.
وتزامنت التطورات الميدانية الأخيرة مع تصاعد الحديث عن خلافات داخل اللجنة المركزية لحركة فتح بشأن توزيع المناصب القيادية، وآلية ترتيب مرحلة ما بعد محمود عباس، في وقت تتسارع فيه الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية عبر التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية وتهجير السكان.
ويرى مراقبون أن المشهد الفلسطيني يعكس مفارقة لافتة، إذ تتواصل الدعوات الرسمية الموجهة إلى المجتمع الدولي للتدخل من أجل وقف السياسات الإسرائيلية، بينما يغيب في المقابل أي تحرك سياسي داخلي جامع، سواء عبر اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أو المجلس المركزي، أو لقاء وطني يضم الفصائل لبحث التطورات المتسارعة في الضفة الغربية.
وفي الوقت نفسه، تتصدر الخلافات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتوزيع المناصب داخل حركة فتح، واجتماعات اللجنة المركزية، المشهد السياسي، ما يثير تساؤلات بشأن أولويات قيادة السلطة في ظل أخطر تهديد يواجه الوجود الفلسطيني منذ عقود.
وتأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن الاستيطان الإسرائيلي تحول إلى مشروع سياسي وأمني متكامل يهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض.
غياب أي استراتيجية فلسطينية لمجابهة الاستيطان
لم يبدأ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بل يمثل سياسة ثابتة تبنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، واستمر بالتوسع خلال مختلف مراحل العملية السياسية، بما فيها سنوات المفاوضات واتفاقيات أوسلو.
وخلال العقود الماضية، تضاعف عدد المستوطنات والوحدات الاستيطانية بصورة كبيرة، بينما استمرت دولة الاحتلال في التعامل مع الاستيطان باعتباره جزءاً من استراتيجيتها طويلة المدى، رغم اعتباره مخالفاً للقانون الدولي وصدور قرارات دولية تعتبره غير شرعي.
وقد عملت الحكومات الإسرائيلية على تكريس واقع يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر تعقيداً، من خلال ربط المستوطنات بشبكات طرق خاصة، والسيطرة على المرتفعات والمناطق الحيوية، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويل المدن والبلدات الفلسطينية إلى جزر منفصلة.
وتشير قراءات سياسية إلى أن مفهوم الأمن في العقيدة الإسرائيلية يرتبط بصورة وثيقة بالمشروع الاستيطاني، إذ تنظر تل أبيب إلى المستوطنات باعتبارها أدوات لترسيخ السيادة ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وليس مجرد تجمعات سكنية تخدم احتياجات أمنية مؤقتة.
في المقابل، يواجه الفلسطينيون هذا المشروع في ظل انقسام سياسي داخلي، وتراجع واضح في قدرة المؤسسات الرسمية على بلورة استراتيجية موحدة لمواجهة التوسع الاستيطاني، الأمر الذي انعكس على الأداء السياسي والتنظيمي خلال السنوات الأخيرة.
وسمح غياب رؤية فلسطينية موحدة لمواجهة الاستيطان لإسرائيل بتحويله إلى أمر واقع، بينما انشغلت الساحة الداخلية بخلافات سياسية وتنظيمية وصراعات على المواقع القيادية، في وقت كانت فيه المستوطنات تتوسع بوتيرة متسارعة.
وتزداد هذه الانتقادات مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية، خاصة في مخيمات جنين وطولكرم، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية بحماية الجيش الإسرائيلي، وما يرافق ذلك من عمليات تهجير وهدم للمنازل وتجريف للأراضي.
ويتجاوز ما يجري في الضفة الغربية الاعتبارات الأمنية التي تطرحها إسرائيل، إذ يندرج ضمن مشروع أشمل يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي، بما يمنع مستقبلاً أي تسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد التساؤلات حول قدرة القيادة الفلسطينية على التعامل مع التحديات الراهنة، بينما تستمر الخلافات داخل حركة “فتح” بشأن توزيع المناصب وترتيبات المرحلة المقبلة.
ويتم ذلك في وقت تستمر الدعوات إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتوحيد الموقف الفلسطيني، وإطلاق تحرك سياسي وتنظيمي قادر على مواجهة المشروع الاستيطاني المتسارع، الذي بات يمثل الخطر الأكبر على مستقبل القضية الفلسطينية.





