تحليلات واراء

الإمارات تحب فلسطين.. مهرجان لتبييض التطبيع الإسرائيلي وسط دماء غزة

في وقت تتواصل فيه حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة، وتتصاعد مشاهد القتل والدمار والنزوح بحق الفلسطينيين، حشدت دولة الإمارات عشرات المؤثرين والفنانين والمغنين في مهرجان ضخم تحت شعار “الإمارات تحب فلسطين”، في مشهد أثار انتقادات واسعة بسبب التناقض بين الخطاب الاحتفالي الداعم لفلسطين، وبين استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية الإماراتية مع دولة الاحتلال.

فقد شكل المهرجان محاولة واسعة لتقديم صورة إعلامية مختلفة عن السياسة الإماراتية تجاه القضية الفلسطينية، في ظل علاقات تطبيع لم تتوقف مع دولة الاحتلال، بل حافظت على نشاطها الاقتصادي والتجاري خلال سنوات الحرب على غزة.

وتعد الإمارات أول دولة عربية توقع اتفاقية تجارة حرة مع تل أبيب، إذ أسهم الاتفاق الاقتصادي بين الجانبين في تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية عن أكثر من 96% من بنود التعرفة، فيما شمل الاتفاق نحو 99% من قيمة التجارة المتبادلة بين البلدين.

ومنذ توقيع اتفاقيات التطبيع، أصبحت الإمارات الشريك التجاري العربي الأكبر لإسرائيل بين الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام، بفارق كبير عن البحرين والمغرب.

وبحسب الأرقام الرسمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات ودولة الاحتلال خلال عام 2024 نحو 3.254 مليارات دولار، رغم أن ذلك العام شهد واحدة من أكثر مراحل الحرب الإسرائيلية على غزة دموية وتدميراً.

كما تجاوز حجم التجارة المتبادلة بين الجانبين منذ التطبيع وحتى مارس/آذار 2026، بحسب الأرقام المتداولة، 14 مليار دولار، ما يعكس استمرار العلاقات الاقتصادية بين أبوظبي وتل أبيب، بينما كانت غزة تتعرض لحرب واسعة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، إضافة إلى دمار هائل طال المنازل والمستشفيات والبنية التحتية.

الإمارات تتحالف مع دولة الاحتلال

بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أوقفت أو علّقت شركات طيران دولية عديدة رحلاتها إلى دولة الاحتلال بسبب الحرب والتوتر الأمني، بينما استمرت شركة فلاي دبي في تسيير رحلاتها إلى تل أبيب.

وقد نفذت الشركة أكثر من 1800 رحلة خلال نحو 13 شهراً، في وقت كانت فيه إسرائيل تواجه عزلة متزايدة في مجال الطيران الدولي.

ووصل الأمر إلى وصف وكالة أسوشيتد برس الدولية، للخط الجوي بين دبي وتل أبيب بأنه أحد خطوط الاتصال التي ساعدت الإسرائيليين على البقاء متصلين بالعالم خلال الحرب.

كما حافظت العلاقات الدبلوماسية الإماراتية الإسرائيلية على استمرارها، بينما شهدت المنطقة موجات غضب شعبية واسعة بسبب الحرب على غزة.

وفي الوقت الذي تصاعدت فيه الدعوات الشعبية العربية إلى قطع العلاقات مع تل أبيب وفرض مقاطعة سياسية واقتصادية عليها، بقيت سفارة الاحتلال في أبوظبي وعلاقات الجانبين الرسمية قائمة.

تطبيع إعلامي إماراتي

تجاوز التطبيع الإماراتي العلاقات السياسية والتجارية إلى المجال الإعلامي والثقافي، حيث شهدت وسائل إعلام ومنصات إماراتية حضور شخصيات إسرائيلية، كما أثارت استضافة الحاخام ليفي دوشمان في تلفزيون دبي، في حديث تناول ما وصف بـ«المطبخ الإسرائيلي»، انتقادات بسبب تقديم أطباق مثل الحمص والكسكس ضمن سردية إسرائيلية.

وأثار ظهور الفنان الإماراتي أحمد الحوسني إلى جانب الإسرائيلية نيكول رافيف في أداء مشترك جدلاً واسعاً، خصوصاً مع غناء النشيد الإسرائيلي «هاتيكفا»، الذي يمثل رمزاً للدولة التي قامت على تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال النكبة.

وفي مشهد آخر من مظاهر التطبيع الثقافي، ظهرت أعمال وأغانٍ خليجية تروّج لفكرة زيارة تل أبيب، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أكثر مراحل تاريخهم الحديث مأساوية.

وبينما تمنح الإمارات دولة الاحتلال المنصات الاقتصادية والثقافية والإعلامية، يأتي مهرجان «الإمارات تحب فلسطين» ليطرح سؤالاً واسعاً حول طبيعة الرسالة التي يراد تقديمها.

فكيف يمكن الحديث عن حب فلسطين، بينما تستمر التجارة المفتوحة مع دولة الاحتلال، وتبقى الرحلات الجوية والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مفتوحة؟

وكيف يمكن رفع شعارات التضامن مع الفلسطينيين، في الوقت الذي تستمر فيه علاقات تطبيع تمنح الاحتلال منفذاً اقتصادياً وسياسياً إلى العالم العربي؟.

وعليه إن جمع الآلاف تحت شعار «الإمارات تحب فلسطين» لا يمكن أن يمحو سنوات من العلاقات المتنامية مع دولة الاحتلال، باعتبار أن التضامن الحقيقي لا يُقاس بالمهرجانات والشعارات، بل بالمواقف السياسية والاقتصادية.

فالفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال، ويواجه الحصار والاستيطان والتهجير والحرب، لا يحتاج إلى حملة علاقات عامة، بل إلى موقف عربي يرفض منح الاحتلال الشرعية والمنصات والأسواق التجارية وصفقات بالمليارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى