تحليلات واراء

سلطة رام الله تمول عجزها المالي من حقوق الموظفين

أثارت تصريحات وزير المالية في حكومة رام الله اصطيفان سلامة، بشأن استمرار صرف 50% فقط من رواتب الموظفين حتى نهاية العام الجاري موجة واسعة من الانتقادات، وسط اتهامات للسلطة بتحميل الموظفين العموميين كلفة أزمتها المالية، وتحويل حقوقهم الوظيفية إلى أداة لتمويل العجز المتفاقم في الموازنة.

وأعلن سلامة، خلال مؤتمر صحفي عقده في مقر رئاسة الوزراء بمدينة رام الله، أن الحكومة ستواصل صرف نصف الرواتب حتى نهاية العام، بالتزامن مع الكشف عن إجراءات للتعامل مع الأزمة المالية وأزمة المحروقات، محذراً من أن التهديدات الإسرائيلية بقطع العلاقة البنكية مع الفلسطينيين تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف الاقتصاد الفلسطيني ويهدد حصول المواطنين على الخدمات الأساسية.

ورغم تحميل وزير المالية الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الضغوط الاقتصادية، اعتبر مراقبون أن الإعلان عن استمرار صرف نصف الرواتب يمثل اعترافاً بأن السلطة قررت مواصلة تمويل أزمتها المالية من جيوب الموظفين، الذين يعيشون منذ سنوات تحت وطأة الاقتطاعات المتكررة وتأخير المستحقات.

تكريس لواقع اقتصادي متدهور

رأى الكاتب عامر ياسين، أن ما قدمه وزير المالية باعتباره إنجازاً لا يعدو كونه تكريساً لواقع اقتصادي متدهور، قائلاً إن الحكومة لم تعد قادرة على ضمان صرف الرواتب كاملة، بل أصبحت تقدم نصف الراتب باعتباره إنجازاً يستحق الإشادة.

وأضاف ياسين، أن استمرار صرف 50% من الراتب يعني عملياً أن التقشف تحول إلى سياسة دائمة، وأن الأزمة المالية أصبحت جزءاً ثابتاً من إدارة المالية العامة، في وقت تستمر فيه رواتب الوزراء وكبار الموظفين ومظاهر الفساد.

واعتبر أن الحكومة نجحت في خفض سقف توقعات المواطنين إلى الحد الذي أصبح فيه الحصول على نصف الراتب يقدم بوصفه نجاحاً، بينما بقيت الالتزامات المعيشية كاملة، من أقساط البنوك، وفواتير الكهرباء والمياه، وارتفاع الأسعار، والضرائب، دون أي تخفيض مماثل.

وأشار إلى أن الموظف الفلسطيني أصبح شريكاً في تحمل العجز المالي للسلطة من دون أن يكون شريكاً في صنع القرار أو رسم السياسات الاقتصادية، مضيفاً أن التصريحات الحكومية تصدر كاملة، بينما تصرف الرواتب بنصف قيمتها.

ورأى أن استمرار هذا النهج يعكس فشلاً متكاملا في إدارة الأزمة، لا سيما مع غياب أي جدول زمني واضح للعودة إلى صرف الرواتب كاملة أو معالجة الأسباب البنيوية للعجز المالي.

غياب طرح أي حلول عملية

انتقدت الإعلامية ريم العمري ما ورد في المؤتمر الصحفي، معتبرة أن الحكومة اكتفت بشرح حجم الأزمة من دون تقديم حلول عملية لمعالجة المشكلات التي يعانيها المواطنون.

وقالت العمري إن الوزير ركز بصورة كبيرة على التحول إلى الدفع الإلكتروني، وربط سداد الرسوم الحكومية بالوسائل الإلكترونية، في وقت يعاني فيه المواطنون من صعوبات في الوصول إلى أموالهم بسبب القيود المفروضة على الإيداع والسحب داخل الجهاز المصرفي.

وأضافت أن الحديث عن الدفع الإلكتروني لا يقدم حلاً فعلياً للمواطن الذي لا يستطيع أصلاً إيداع الأموال في حساباته البنكية، متسائلة عن كيفية استخدام البطاقات المصرفية في ظل استمرار القيود على التعاملات المالية.

كما انتقدت تركيز الحكومة على ضمان استمرار الجباية، في مقابل غياب حلول لأزمات تمس الحياة اليومية، من بينها أزمة المحروقات، وارتفاع الأسعار، والتعليم، والتحويلات الطبية، ونقص الأدوية، وأوضاع العمال، والاعتداءات المتواصلة للمستوطنين.

وأشارت العمري إلى أن أسواق الضفة الغربية تشهد حالة ركود غير مسبوقة نتيجة تراجع القدرة الشرائية، في ظل استمرار صرف نصف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي انعكس على الحركة التجارية وأوضاع آلاف الأسر الفلسطينية.

وأثارت أيضاً استمرار التعيينات في عدد من المناصب الرسمية والدبلوماسية رغم الأزمة المالية، معتبرة أن هذه الخطوات تعكس تناقضاً بين خطاب التقشف الذي تعلنه الحكومة والإنفاق على المناصب والامتيازات.

ومنذ سنوات دفعت الأزمة المالية المتواصلة السلطة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على اقتطاع جزء من رواتب الموظفين لتغطية العجز، بدلاً من تقديم إصلاحات مالية وإدارية تعالج جذور المشكلة، ما حول الموظفين إلى الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج السياسات الاقتصادية عاماً بعد آخر.

ويكرس استمرار صرف نصف الرواتب واقعاً مالياً جديداً تتحمل فيه آلاف الأسر الفلسطينية أعباء العجز الحكومي، بينما تتواصل المطالب بإجراءات إصلاحية تعيد الانتظام المالي وتحافظ على حقوق الموظفين كاملة، بدلاً من تحميلهم كلفة الأزمة بصورة متكررة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى