انقسامات فتح تهدد بتصعيد معركة خلافة عباس بعد مؤتمر الحركة الثامن

دخلت حركة فتح مرحلة جديدة من الصراع الداخلي عقب انتهاء مؤتمرها العام الثامن، مع تصاعد الخلافات داخل اللجنة المركزية المنتخبة حديثاً، وسط مؤشرات على اشتداد معركة النفوذ وترتيبات خلافة رئيس سلطة رام الله محمود عباس.
وكشفت مصادر مطلعة أن الاجتماع الثاني للجنة المركزية الجديدة في مدينة رام الله شهد مقاطعة عضوين بارزين هما محمود العالول وجبريل الرجوب، في خطوة عكست حجم الاعتراضات الداخلية على طريقة إدارة عباس لملف توزيع المناصب القيادية داخل الحركة، ولا سيما قراره تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس فتح دون توافق مسبق بين أعضاء اللجنة.
وجاء الاجتماع الثاني بعد اجتماع أول وصف بالبروتوكولي ترأسه عباس عقب يومين من اختتام أعمال المؤتمر الثامن للحركة، الذي شهد انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لكنه فتح الباب أمام خلافات واسعة بشأن موازين القوى الجديدة داخل فتح.
انقسام حاد داخل مركزية فتح
قالت المصادر إن غياب العالول والرجوب حمل رسالة سياسية واضحة تعبر عن رفضهما لما اعتبراه استئثاراً من عباس بقرارات الحركة، خصوصاً بعدما أبلغ أعضاء اللجنة المركزية خلال الاجتماع الأول بأن حسين الشيخ سيتولى منصب نائب رئيس الحركة، وأن محمد اشتية سيكون مسؤولاً عن مالية فتح، فيما ستبقى مفوضية الإعلام تحت إشرافه المباشر.
وأضافت المصادر أن عباس طلب من أعضاء المركزية الاتفاق فيما بينهم على توزيع بقية مفوضيات الحركة، لكن قراره حسم المواقع الأساسية مسبقاً أثار اعتراضات داخلية، باعتباره تجاوزاً لمبدأ التوافق الذي كان يفترض أن يحكم المرحلة الجديدة.
وبحسب المصادر ذاتها، كان هناك اتفاق غير معلن داخل اللجنة المركزية يقوم على توزيع المناصب بالتوافق بين جميع الأعضاء، ومنع جمع عضو واحد بين أكثر من موقع قيادي داخل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، سواء في السلطة أو منظمة التحرير أو حركة فتح.
لكن تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس الحركة أثار غضب عدد من القيادات، كونه يشغل في الوقت ذاته منصب نائب رئيس سلطة رام الله ورئيس منظمة التحرير، ما يعد تركيزاً غير مسبوق للنفوذ في يد شخصية واحدة.
كما رأت قيادات داخل فتح أن القرار تجاهل معايير الأقدمية التنظيمية التي اعتمدتها الحركة تاريخياً، خصوصاً في ظل وجود محمود العالول الذي شغل منصب نائب رئيس الحركة منذ عام 2017، وكان يُنظر إليه باعتباره الأوفر حظاً للاستمرار في الموقع نظراً لتاريخه التنظيمي الطويل.
حركة فتح ويكيبيديا
تأتي هذه التطورات في ظل إعادة تشكيل مراكز القوة داخل فتح بعد المؤتمر الثامن، الذي شهد دخول شخصيات مؤثرة إلى اللجنة المركزية، أبرزها ياسر عباس نجل عباس وماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامة.
وأثار صعود ياسر عباس جدلاً داخل الأوساط الفتحاوية، ذكل كونه وصل إلى أعلى هيئة قيادية في الحركة دون المرور بالتدرج التنظيمي التقليدي، ويعد دخوله لأعلى هيئة قيادية في فتح جزءاً من ترتيبات إعادة رسم موازين النفوذ داخل الحركة.
أما ماجد فرج فقد برز بوصفه أحد أبرز الرابحين في الانتخابات الداخلية، بعدما حقق نتيجة متقدمة وضعته بين أكثر الشخصيات تأثيراً داخل اللجنة المركزية الجديدة، إلى جانب قيادات تاريخية مثل جبريل الرجوب وحسين الشيخ وتوفيق الطيراوي ومحمود العالول.
وترى مصادر فتحاوية أن تركيبة اللجنة الجديدة أفرزت مراكز قوة متنافسة بين تيارات تسعى لتعزيز مواقعها قبل مرحلة ما بعد عباس، في وقت تراجع فيه حضور عدد من القيادات التاريخية التي لعبت أدواراً بارزة خلال العقود الماضية.
وخلال السنوات الماضية، عمل عباس على إضعاف أي مراكز قوة يمكن أن تنافسه داخل الحركة، بداية من تراجع دور قيادات بارزة مثل أحمد قريع، مروراً بإقصاء محمد دحلان بعد تصاعد نفوذه، وصولاً إلى استبعاد ناصر القدوة الذي رفض المشاركة في المؤتمر الثامن واعتبر أنه جرى ترتيبه وفق حسابات عباس والدائرة المحيطة به.
كما أدى المؤتمر الأخير إلى خروج أسماء فتحاوية بارزة من اللجنة المركزية، من بينها عباس زكي، أحد أعضاء المركزية منذ مؤتمر عام 1988، إلى جانب روحي فتوح وعزام الأحمد، وهما من الشخصيات التي احتفظت لسنوات بمواقع متقدمة داخل مؤسسات الحركة ومنظمة التحرير.
وكان فتوح قد لعب دوراً رئيسياً في إدارة المجلس المركزي الفلسطيني عام 2025، الذي استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس دولة فلسطين، وهو المنصب الذي تولاه لاحقاً حسين الشيخ.
وتشير الخلافات الحالية إلى أن المؤتمر الثامن لم ينهِ صراع الخلافة داخل فتح، بل فتح مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، مع تعدد مراكز النفوذ وغياب توافق واضح حول الشخصية التي يمكن أن تقود الحركة والسلطة في مرحلة ما بعد عباس الذي تجاوز التسعين عاما من عمره.





