سلطة رام الله تغرق في الديون: 3.43 مليار دولار قروض بينما المناصب العليا تتكاثر

تواصل سلطة رام الله تحميل المواطن أعباء أزمة مالية متفاقمة صنعتها سنوات من الاقتراض وسوء الإدارة وتضخم الجهاز الحكومي واتساع دائرة الامتيازات والتعيينات والترقيات في المناصب العليا، لترتفع مديونيتها إلى نحو 3.43 مليار دولار حتى نهاية آذار/مارس 2026، في وقت يتقاضى فيه الموظفون العموميون رواتب منقوصة منذ أكثر من أربع سنوات.
وكشفت الأرقام الرسمية أن اقتراض السلطة ارتفع خلال الربع الأول من عام 2026 بنحو 725 مليون دولار، وبنسبة تقارب 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بعدما بلغ إجمالي الاقتراض نحو 2.71 مليار دولار في نهاية آذار/مارس 2025.
وتكشف هذه القفزة في التوسع بالقروض عن توسع متواصل في الاعتماد على الديون لتمويل جهاز حكومي مترهل، في ظل غياب حلول اقتصادية حقيقية وتراجع الإيرادات المحلية واستمرار الارتهان لأموال المقاصة التي يتحكم الاحتلال الإسرائيلي بتحويلها.
وقد باتت قروض السلطة تستحوذ على نحو 27% من إجمالي محفظة التسهيلات الائتمانية في القطاع المصرفي الفلسطيني، والبالغة حوالي 12.6 مليار دولار حتى نهاية آذار/مارس الماضي، ما يعكس الحجم المتزايد للأموال التي تذهب لتمويل القطاع العام على حساب قدرة المصارف على تمويل الشركات والمشاريع الاستثمارية والقطاعات المنتجة.
الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية
في الوقت الذي تتوسع فيه السلطة بالاقتراض، يدفع الموظفون العموميون الثمن المباشر للأزمة، إذ يتلقون رواتب منقوصة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وسط عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية وتراكم المستحقات والديون.
لكن الأزمة المالية لم تمنع السلطة من مواصلة سياسة التعيينات والترقيات ومنح الامتيازات للمسؤولين وأصحاب المناصب العليا، رغم الخطاب الرسمي المتكرر بشأن الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد وترشيد النفقات وإعادة هيكلة القطاع العام.
وكشف التقرير السنوي الثامن عشر للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” حول واقع النزاهة ومكافحة الفساد في فلسطين لعام 2025 عن استمرار التعيينات والترقيات في المناصب العليا المدنية والأمنية والدبلوماسية، بالتزامن مع واحدة من أشد الأزمات المالية التي تواجهها السلطة.
وأظهر التقرير أن السلطة أجرت خلال عام 2025 ما مجموعه 84 تعييناً و46 ترقية في المناصب العليا المدنية والأمنية، إضافة إلى 41 تعييناً وترقية لسفراء وقناصل، رغم إعلانها المتكرر تبني سياسات التقشف وخفض الإنفاق العام.
واللافت أن نحو 30% من مجمل الترقيات تركزت في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وحدها، ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق والإدارة في مؤسسة تعاني عجزاً مالياً متصاعداً ولا تستطيع دفع رواتب موظفيها كاملة.
فساد السلطة الفلسطينية
تكشف هذه الأرقام حجم التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية للسلطة، إذ يجري تقليص الخدمات وتأخير رواتب الموظفين وتراكم الديون، بينما تستمر التعيينات والترقيات ومنح الدرجات والامتيازات المالية لأصحاب المناصب العليا.
وتزداد تكلفة هذه السياسات مع ارتفاع رواتب كبار المسؤولين والبدلات والنثريات والامتيازات المرتبطة بالمناصب العليا، ما يضيف أعباء جديدة على موازنة تعاني أصلاً عجزاً مزمناً وتعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض والمساعدات الخارجية.
ورصد تقرير “أمان” استمرار تمركز السلطات في يد مؤسسة الرئاسة في ظل غياب المجلس التشريعي، والتوسع في إصدار القرارات بقوانين واتخاذ خطوات تمس بنية النظام السياسي الفلسطيني دون رقابة تشريعية فعلية أو حوار وطني واسع.
وشملت هذه الإجراءات ملفات إعداد الدستور وانتخابات المجلس الوطني وتعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية وقانون الأحزاب وتعيين نائب للرئيس، الأمر الذي اعتبره التقرير إضعافاً لمبدأ الفصل بين السلطات وتقليصاً لأدوات الرقابة الديمقراطية والمساءلة.
كما كشف التقرير استمرار منح امتيازات وظيفية وسياسية تتعارض مع مبادئ النزاهة والجدارة، من خلال نقل رؤساء مؤسسات عامة وموظفين من الفئات العليا إلى فئات خاصة ومنح بعضهم درجة وزير، بما يتجاوز بطاقات الوصف الوظيفي ويزيد الأعباء المالية على الخزينة العامة.
وتشير هذه الممارسات إلى استمرار استخدام الوظيفة العامة والمناصب العليا باعتبارها أدوات لتوزيع الامتيازات وترسيخ شبكات الولاء السياسي، بدلاً من اعتماد الكفاءة والاستحقاق والمصلحة العامة معياراً لإدارة مؤسسات السلطة.
ولم يكن واقع الشفافية أفضل حالاً، إذ كشف تقرير “أمان” أن 10 مؤسسات فقط من أصل 42 مؤسسة عامة التزمت بنشر تقاريرها السنوية عبر مواقعها الإلكترونية، بينما بقيت مواقع مؤسسات أخرى معطلة أو غير محدثة منذ سنوات.
وكانت المؤسسات التابعة مباشرة لمؤسسة الرئاسة الأقل التزاماً بمعايير الشفافية والأضعف من حيث خضوع مسؤوليها للمساءلة، ما يوسع البيئة التي تسمح بإهدار المال العام وانتشار الفساد في ظل غياب الرقابة البرلمانية وضعف المؤسسات المستقلة.
وبينما تتراكم الديون وتُقتطع رواتب الموظفين وتتراجع الخدمات العامة، لا تظهر مؤشرات جدية على استعداد السلطة لتغيير نموذج الإدارة القائم على الاقتراض وتضخم المناصب العليا وتوزيع الامتيازات.
وتكشف القفزة الكبيرة في مديونية السلطة خلال عام واحد أن المواطن الفلسطيني أصبح الضامن الأخير لسياسات مالية لم يشارك في اتخاذها، بينما ستنتقل أعباء هذه الديون وفوائدها إلى السنوات المقبلة وربما إلى الأجيال القادمة.





