حركة فتح.. تاريخ طويل من التنازلات وصولاً إلى “العيش تحت بساطير الاحتلال”

بدأت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” مسيرتها عام 1965 وهي ترفع شعار الكفاح المسلح وتعلن انطلاق “الرصاصة الأولى” ضد الاحتلال الإسرائيلي بهدف التحرير الكامل لأرض فلسطين من البحر إلى النهر.
لكن الحركة التي فرضت نفسها على قمة هرم النظام السياسي الفلسطيني، انتقلت بعد عقود من التحولات السياسية والتسويات، إلى مرحلة مختلفة تماماً انتهت بقيام سلطة حكم ذاتي مقيدة باتفاقات أمنية واقتصادية، حولتها من مشروع تحرر وطني إلى إدارة محدودة الصلاحيات تعمل تحت سقف الاحتلال.
وانطلقت فتح في الأول من يناير/كانون الثاني 1965 باعتبارها حركة تحرر وطني تتبنى الكفاح المسلح طريقاً لما وصفته بتحرير فلسطين. وشكلت عملياتها العسكرية الأولى، ثم قيادتها لمنظمة التحرير مرحلة جعلت منها القوة السياسية والعسكرية الأبرز في الساحة الفلسطينية لعقود.
لكن التحول الأكبر بدأ مع توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، عندما انتقلت قيادة منظمة التحرير، التي كانت فتح القوة المهيمنة فيها، إلى مسار الاعتراف المتبادل والتفاوض مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وبينما قدم الاتفاق آنذاك باعتباره خطوة انتقالية تقود إلى إقامة دولة فلسطينية، فإن نتائجه أنتجت واقعاً معاكساً، إذ بقي الاحتلال واتسع الاستيطان، فيما أصبحت السلطة مقيدة بمنظومة واسعة من الالتزامات وتمارس التنسيق الأمني باعتباره “مقدسا”.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ السؤال الذي يلاحق فتح حتى اليوم: كيف تحولت الحركة التي انطلقت تحت شعار “الكفاح المسلح” إلى قيادة تدير سلطة تعمل في الضفة الغربية ضمن حدود يرسمها الاحتلال؟.
حركة فتح واتفاق أوسلو
شكل اتفاق أوسلو بداية التخلي التدريجي من قيادة حركة فتح عن أدوات المقاومة مقابل سلطة محدودة الصلاحيات. فبينما احتفظت دولة الاحتلال بالسيطرة الفعلية على الحدود والمجال الجوي ومساحات واسعة من الأراضي، تولت السلطة إدارة شؤون مدنية وأمنية في مناطق محددة.
وفي عام 1994، دخلت السلطة إلى الأراضي الفلسطينية بعد تأسيسها بموجب اتفاقات أوسلو، وسط مشاهد ووقائع بقيت مثار جدل واسع.
ثم جاءت مشاركة ياسر عرفات في تأبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 لتصبح واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن التحول السياسي الذي قادته فتح.
إذ تحولت تلك المرحلة، من زمن المواجهة إلى زمن المصافحات والاحتفالات بالاتفاقات، بينما استمرت دولة الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض.
ومع مرور السنوات، لم تتحقق الدولة الفلسطينية التي وعدت بها اتفاقات أوسلو. وعلى العكس، توسع الاستيطان الإسرائيلي بصورة كبيرة، وتعمقت السيطرة العسكرية على الضفة الغربية، وتحولت مناطق السلطة إلى جزر منفصلة يربط بينها الاحتلال ويقطع أوصالها بالحواجز العسكرية.
وفي المقابل، أصبحت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة جزءاً أساسياً من منظومة التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي رغم أنه يمثل أخطر مظاهر التحول في تاريخ الحركة، لأن القوة التي بدأت تاريخها بالمواجهة المسلحة أصبحت ملتزمة بملاحقة كل ما يمكن أن يهدد الترتيبات الأمنية التي نشأت بعد أوسلو.
حركة فتح في عهد محمود عباس
منذ خلافته لعرفات عام 2005، فرض محمود عباس الذي استفرد بقيادة فتح وسلطة رام الله ومنظمة التحرير، نهج الرهان الكامل على التسوية والالتزام بالتنسيق الأمني والعمل مع واشنطن والاحتلال لحل كل أجنحة المقاومة بما فيها المنبثقة عن فتح.
ومع حلول عام 2010، برزت بصورة أوضح مواقف قيادة السلطة الرافضة للعودة إلى الكفاح المسلح، مع التركيز على المفاوضات والتحرك السياسي والدبلوماسي ما كرس التحول النهائي في خطاب فتح من حركة تحرر تقود المقاومة إلى سلطة تراهن بصورة شبه كاملة على المسار السياسي.
لكن السنوات اللاحقة حملت مزيداً من التناقض. فالمفاوضات توقفت، والدولة لم تقم، والاستيطان لم يتراجع، بينما استمرت السلطة في أداء وظائفها داخل المناطق الخاضعة لها، مع اعتماد مالي واسع على المساعدات وأموال المقاصة التي تتحكم تل أبيب في تحويلها.
ومع توالي السنوات، تكرس واقع ما آلت إليه فتح والسلطة عبر نموذج “سلطة بلا سلطة”، إذ لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض أو الحدود أو الموارد، بينما تبقى ملزمة بإدارة شؤون السكان تحت الاحتلال، وهو ما ترجمه تصريح عباس الشهير للإعلام العبري بأنه يعيش تحت بساطير الاحتلال.
وبين فتح عام 1965 وفتح عام 2026، قطعت الحركة مساراً طويلاً من التنازلات: من “أول طلقة” إلى اتفاق أوسلو، ومن تنظيم مسلح إلى أجهزة أمنية، ومن مشروع تحرير إلى سلطة مقيدة، ومن خطاب مواجهة الاحتلال إلى واقع السلطة أصبحت فيه تعمل تحت شروطه.
ويختصر هؤلاء التحول بعبارة قاسية: فتح التي بدأت بالبندقية انتهت إلى سلطة تعيش تحت بساطير الاحتلال، تدير أزمة شعبها بدل أن تقود مشروع تحريره بل وإنها تحرض وتتأمر على كل من يمارس المقاومة.





