ماذا وراء مبادرة فتح تجميد إجراءات تشكيل المجلس الوطني؟

تكشف مبادرة حركة فتح تجميد إجراءات تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني عن محاولة لإعادة ضبط مسار سياسي وتنظيمي واجه خلال الأسابيع الأخيرة اعتراضات متزايدة، بعدما بدا أن إجراءات إعادة تشكيل المجلس تجري بوتيرة منفصلة عن التوافق الوطني الأوسع، وفي ظل خلافات داخلية في الساحة الفلسطينية وحركة فتح نفسها.
وبقدر ما تقدم الحركة الخطوة إعلاميا باعتبارها “بادرة حسن نية” تمهّد لحوار وطني شامل، فإن توقيتها يعكس ثلاثة أسباب رئيسية تقف خلف قرار التجميد.
يتمثل السبب الأول في غياب الغطاء الوطني الواسع لإجراءات تشكيل المجلس الوطني. فقد أُطلقت العملية في إطار قرارات ومراسيم رسمية، وحددت الرئاسة في وقت سابق موعداً لانتخابات المجلس الوطني، فيما أقرت لاحقاً نظاماً انتخابياً ينص على انتخاب أعضاء المجلس في الوطن والشتات وفق التمثيل النسبي الكامل.
لكن المشكلة السياسية لم تكن في وجود إطار قانوني معلن بقدر ما كانت في مدى توفر توافق فلسطيني على طريقة إعادة تشكيل المؤسسة التي يفترض أن تمثل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن قيادة فتح أدركت أن المضي منفردة في هذا المسار يمكن أن يحول المجلس الوطني من أداة لتجديد مؤسسات منظمة التحرير إلى مصدر جديد للخلاف والانقسام.
لذلك جاء التجميد المقترح بوصفه محاولة لإعادة ربط العملية الانتخابية والتنظيمية بالحوار الوطني، بدلاً من فرض مسار جاهز ثم مطالبة بقية الفصائل بالانضمام إليه لاحقاً.
وأكدت فتح أن الهدف من الحوار هو الوصول إلى شراكة سياسية تشمل مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، فيما شددت اللجنة المركزية للحركة في اجتماعاتها الأخيرة على أن الحوار الوطني الشامل يجب أن يكون مدخلاً لتعزيز الشراكة والوحدة السياسية.
احتجاجات واسعة ضد مسرحية تشكيل المجلس الوطني
أما السبب الثاني، فيتعلق بالاعتراضات الواسعة على طريقة إعادة تشكيل المجلس الوطني، ولا سيما من خارج الأراضي الفلسطينية.
فالمجلس الوطني ليس مؤسسة محلية تخص الضفة الغربية أو قطاع غزة وحدهما، وإنما يفترض أن يعكس تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة ترتيبه من دون مشاركة حقيقية للجاليات الفلسطينية والقوى السياسية المختلفة يمكن أن تواجه أزمة شرعية سياسية حتى لو استندت إلى قرارات رسمية.
وتزداد حساسية هذه المسألة مع النظام الانتخابي الجديد الذي حدد عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 عضواً، منهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات. كما أتاح النظام في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات اللجوء إلى المجمع الانتخابي أو التوافق أو التعيين وفقاً للظروف ما يعني أن قضية تمثيل الخارج تعد واحدة من أكثر النقاط حساسية في معركة الشرعية داخل منظمة التحرير.
الانقسامات داخل حركة فتح
يرتبط السبب الثالث، والأكثر تعقيداً، بالانقسامات داخل حركة فتح نفسها. فقد أثارت عملية إعادة ترتيب المؤسسات والانتقال إلى مرحلة جديدة من الانتخابات والتشكيلات التنظيمية تساؤلات حول المستفيدين من الصيغة المطروحة، وما إذا كانت ستؤدي إلى توسيع قاعدة التمثيل أم إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الحركة لصالح تيارات وشخصيات محددة.
وفي هذا السياق، يطرح مسئولون في فتح تساؤلات حول تعزيز تأثير صعود تيار داخل الحركة يقوده ياسر عباس وحسين الشيخ وماجد فرج على شكل المؤسسات المقبلة، وحول ما إذا كانت إجراءات إعادة تشكيل المجلس الوطني يمكن أن تتحول إلى جزء من ترتيبات أوسع لإعادة إنتاج موازين القوى داخل فتح ومنظمة التحرير.
ويكشف توقيت التجميد أن فتح باتت أمام معادلة صعبة. فمن جهة، تستعد الحركة للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر، وتواصل تشكيل قوائم مرشحيها، ومن جهة أخرى تزداد الضغوط السياسية لتأجيل الاستحقاق أو إعادة صياغة شروطه عبر حوار وطني.
وأكدت لجنة الانتخابات المركزية أنها كانت تمضي في الجدول الزمني للانتخابات التشريعية، فيما أعلنت فتح استمرار استعداداتها الانتخابية بالتوازي مع مبادرة تجميد إجراءات المجلس الوطني إذا انطلق الحوار الوطني.
وتحاول حركة فتح من خلال إرسال وفد إلى القاهرة نقل الملف من الساحة الفتحاوية الداخلية إلى مظلة مصرية أوسع. فالوفد المرتقب يعلن أنه يسعى إلى فتح نقاش حول مشاركة القوى الفلسطينية في مؤسسات منظمة التحرير، وإنهاء الانقسام، وتحديد مستقبل الانتخابات والمجلس الوطني.
مستقبل الانتخابات التشريعية
بدأت أوساط حركة فتح منذ فترة الترويج إلى أن إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها يواجه عقبات كبيرة، خصوصاً في قطاع غزة. وقد أقرت لجنة الانتخابات نفسها تعديلات وإجراءات خاصة بالقطاع في ظل الظروف القائمة، بينما تؤكد فتح أن تمكين الفلسطينيين في غزة والقدس من المشاركة يمثل شرطاً أساسياً لنجاح الاستحقاق.
ولهذا تبدو فرص تأجيل الانتخابات أكثر واقعية إذا فشل الحوار الوطني في التوصل إلى صيغة توافقية. لكن التأجيل، إذا حدث، لن يحل الأزمة وحده؛ بل سيعيد السؤال الأساسي إلى الواجهة: من يملك حق تحديد شكل المؤسسات الفلسطينية المقبلة، ومن يقرر تركيبة المجلس الوطني، ومن يملك الشرعية لإعادة توزيع النفوذ داخل منظمة التحرير؟.
ومن هنا يمكن فهم مبادرة فتح لتجميد إجراءات تشكيل المجلس الوطني باعتبارها محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب المشهد قبل الوصول إلى نقطة يصعب التراجع عنها. فالمضي في الإجراءات من دون توافق كان يمكن أن يوسع الخلاف مع الفصائل والجاليات، بينما يتيح التجميد فتح قناة تفاوض مع مصر وحركة حماس وبقية القوى، وإعادة صياغة العملية ضمن اتفاق سياسي أوسع.
وبالتالي، فإن تجميد إجراءات إعادة تشكيل المجلس الوطني يأتي كمحاولة لاحتواء أزمة شرعية وسياسية وتنظيمية داخل فتح في آن واحد. فالحركة تريد فقط الحفاظ على موقعها المركزي في النظام السياسي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن إعادة تشكيل المجلس الوطني من دون غطاء وطني واسع قد تنتج مؤسسة جديدة تحمل شرعية قانونية محل خلاف سياسي.
والاختبار الحقيقي الآن سيكون في القاهرة: هل يتحول التجميد إلى اتفاق وطني فعلي يشارك فيه مختلف الأطراف، أم يكون مجرد هدنة مؤقتة تسمح بإعادة ترتيب الأوراق قبل استئناف الإجراءات؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المجلس الوطني والانتخابات التشريعية، بل شكل منظمة التحرير وموازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة.





