مواكب فارهة في زمن التقشف.. سلطة رام الله تعجز عن حماية المواطنين وتحاصرهم بالمظاهر

أعاد موكب رئيس حكومة رام الله محمد مصطفى خلال زيارته محافظة الخليل فتح النقاش حول الفجوة بين صورة سلطة رام الله في الشارع وبين قدرتها الفعلية على حماية المواطنين وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
فقد أثار مقطع مصور متداول انتقادات واسعة بسبب عدد المركبات التي قيل إنها رافقت مصطفى، حيث قدّر عددها بنحو 23 مركبة.
لكن الجدل لم يتوقف عند السيارات نفسها، بل تحول إلى سؤال أوسع: ماذا تعني مظاهر الحماية والاستعراض الأمني لمسؤول فلسطيني في وقت يعاني فيه المواطن من أزمة اقتصادية خانقة، فيما تبدو قدرة النظام السياسي على مواجهة الاحتلال وتوفير أبسط مقومات الصمود محدودة؟
وقد جاءت الانتقادات في وقت تعترف فيه الحكومة نفسها بوجود أزمة مالية حادة، حيث أقر مجلس الوزراء موازنة طوارئ لعام 2026، وقال إن الموازنة تتعامل مع استمرار احتجاز الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصة، فيما تبنت الحكومة سياسة تقشفية وإجراءات للحد من الإنفاق، من بينها وقف التعيينات الجديدة وخفض فاتورة الرواتب.
كما وصف البنك الدولي الوضع المالي للسلطة بأنه أزمة شديدة، محذراً من تأثيرها على تقديم الخدمات الأساسية، ومشيراً إلى استمرار الاقتراض المحلي وتراكم المتأخرات.
سلطة رام الله والاستعراض الأمني الفارغ
جاءت مقالة الكاتب والباحث السياسي عدنان ملحم بعنوان “روقوا يا مسؤولين!” لتضع مسألة المواكب للمسئولين في سلطة رام الله في إطار أوسع من مجرد عدد السيارات أو كلفة الوقود.
وكتب ملحم أن على المسؤولين والقادة الفلسطينيين جعل مواكبهم “أكثر بساطة وهدوءا، وأقل ازدحاما وكلفة”، معتبراً أن المجتمع الفلسطيني لا يحتاج إلى كل هذا الاستعراض الأمني حتى يصل المسؤول إلى الناس.
ويشدد ملحم على أن سيارة مرافقة واحدة للمسؤول الكبير قد تكون كافية، بل ربما تعطي انطباعاً أكثر صدقاً عن قربه من المواطنين، بينما يؤدي تضخم عدد المركبات والمرافقين إلى تحويل الزيارة من لقاء مع الناس إلى “موكب رسمي ثقيل”.
وفي تقديره، لا تقتصر المشكلة على المظهر، لأن كثرة الحراسات والقوات الخاصة والأسلحة تخلق مسافة نفسية ومادية بين المسؤول والمجتمع، في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى تقليص هذه المسافة لا توسيعها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يوضع مشهد المواكب أمام واقع الضفة الغربية. فالمواطن يعيش تحت الاحتلال والاستيطان والقيود على الحركة، بينما تواجه الأسر ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات في الدخل والعمل والخدمات.
وفي يوليو الماضي، اضطرت الحكومة إلى بحث أزمة المحروقات وتكدس الشيكل، فيما أكدت أن الأزمة المالية تؤثر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
عجز النظام السياسي الفلسطيني
يربط ملحم بين مظاهر المواكب وبين سؤال أكبر يتعلق بوظيفة النظام السياسي نفسه. ويتساءل في مقاله: ماذا تعني هذه المواكب في ظل عجز النظام السياسي عن الدفاع عن القرى والبلدات التي تتعرض للاعتداءات، وحماية المزارعين، وتوفير المستحقات المالية والصحية والتربوية والاجتماعية للمواطنين؟ ويضع بذلك الموكب في مواجهة مباشرة مع أزمة الثقة التي تتسع عندما يرى المواطن مظاهر قوة أمنية حول المسؤول، بينما لا يرى قوة سياسية قادرة على تغيير واقعه.
ولا يخفي ملحم انتقاده للمظاهر الأمنية المبالغ فيها، معتبراً أن مرافقة القوات الخاصة والقفز من المركبات وارتداء النظارات السوداء وكثرة الحراسة ليست بالضرورة مصدر احترام أو محبة، بل يمكن أن تتحول إلى سبب للنفور.
ويقول إن الفلسطيني يعرف عدوه الأساسي، لكنه يرى أيضاً في الفساد والتبذير خصوماً يهددون حياته وكرامته ومستقبله.
وتكتسب هذه الانتقادات بعداً إضافياً لأن الحكومة الفلسطينية نفسها تؤكد أنها تعمل في ظروف مالية استثنائية.
فقد أعلنت في موازنة 2026 خفضاً بنسبة 5.8 في المئة مقارنة بموازنة العام السابق، مع خفض النفقات غير الأساسية، وتخصيص الموارد للخدمات الأساسية، واتخاذ إجراءات إضافية للحد من فاتورة الأجور.
ومن هنا يصبح السؤال الذي طرحه تداول صورة موكب مصطفى أكثر إلحاحاً: إذا كان التقشف ضرورة تفرضها الأزمة، فأين يبدأ التقشف داخل مؤسسات السلطة، وهل تشمل إجراءات ضبط الإنفاق حركة المسؤولين ومواكبهم واستخدام المركبات الحكومية؟
كما أن غياب المعلومات الرسمية حول حجم الموكب وكلفته يجعل الباب مفتوحاً أمام التساؤلات، خصوصاً عندما تأتي صورة المواكتب الضخمة في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية. وقد أشارت وسائل إعلام محلية بالفعل إلى أن رقم 23 مركبة هو تقدير متداول.
ويحذر ملحم من أن المبالغة في المظاهر الرسمية تزيد المسافة بين المسؤول والمواطن.
وفي المحصلة، فإن الجدل حول موكب محمد مصطفى لا يتعلق بعدد السيارات وحده، وإنما بالصورة التي تعكسها السلطة عن نفسها في لحظة تعاني فيها من أزمة مالية، ويواجه فيها المواطن ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة.
فالمشكلة السياسية التي يكشفها المشهد هي التناقض بين اتساع المظاهر المحيطة بالمسؤول وبين محدودية قدرة النظام السياسي على توفير الحماية والخدمات والصمود أمام الاحتلال.
ويختصر ملحم رسالته بالدعوة إلى أن تكون المسؤولية الفلسطينية أكثر تواضعاً وأقرب إلى الناس، وأن تنصرف الجهود إلى تثبيت المواطنين في أرضهم وتوفير مقومات الحياة والصمود، بدلاً من تضخيم المسافة بينهم وبين المسؤول.
ومن هذه الزاوية، يصبح تقليص المواكب والمظاهر الأمنية رسالة سياسية عن طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في مرحلة يفترض أن تكون فيها الأولوية للمواطن، لا للمشهد المحيط بالمسؤول.




