تحليلات واراء

الاغتيال المعنوي.. حرب الاحتلال وشبكة أفيخاي الموازية على المقاومة ورموزها

ينتهج الاحتلال الإسرائيلي وأدواته الإعلامية وفي مقدمتها شبكة أفيخاي أسلوب الاغتيال المعنوي وحملات التشويه المنظم لاستهداف قيادات المقاومة وضرب حاضنتها الشعبية بما يمثل جبهة موازية في الحرب المفتوحة على المقاومة باستخدام الشائعات والصور المجتزأة والمعلومات المضللة لإسقاط الرموز الفلسطينية وتشويه صورتها أمام جمهورها.

وتكشف الحملات المتصاعدة على منصات التواصل الاجتماعي عن نمط متكرر يقوم على ملاحقة قيادات ونشطاء فلسطينيين، ولا سيما أبناء قطاع غزة المقيمين في الخارج، وتصوير أبسط تفاصيل حياتهم اليومية باعتبارها دليلًا على الترف أو التخلي عن معاناة شعبهم.

وتعتمد هذه الحملات على نشر صور مفبركة أحيانًا، أو اجتزاء صور حقيقية من سياقها والتهويل بشأنها، لإثارة الغضب الشعبي.

إذ أن مجرد ظهور شخصية فلسطينية في مطعم أو متجر أو مكان عام يتحول إلى مادة لحملة تحريض واسعة، تتجاهل بصورة متعمدة ظروف الشخص المستهدف، وما إذا كان قد فقد أفرادًا من عائلته أو منزله أو ممتلكاته، أو الدور الذي يقوم به في الخارج لإسناد الفلسطينيين ونقل صوتهم إلى العالم.

والنمط البارز هنا أن هذه الحملات لا تهدف إلى مناقشة الأداء السياسي أو محاسبة القيادات على قراراتها، وهو حق مشروع للجمهور والرأي العام، وإنما إلى صناعة صورة ذهنية تقوم على أن كل قائد أو ناشط موجود خارج قطاع غزة يعيش حياة مترفة بعيدًا عن معاناة شعبه، في محاولة لتحويل الغضب الناتج عن الحرب والحصار والدمار إلى سلاح يُستخدم ضد المقاومة وقياداتها.

شبكة أفيخاي ويكيبيديا

تبرز في هذا السياق شبكة أفيخاي الإسرائيلية التي تعيد تدوير الخطاب الصادر عن المتحدثين الإسرائيليين ومنصات الحرب النفسية، ثم تعمل على تضخيمه وإعادة إنتاجه باللغة العربية، وصولًا إلى خلق موجات من التشكيك والتخوين والاتهامات الشخصية.

وتقوم استراتيجية الاغتيال المعنوي على قاعدة واضحة: إذا كان اغتيال القائد جسديًا يزيله من ساحة المواجهة، فإن اغتياله معنويًا يهدف إلى تدمير صورته وإسقاط رمزيته وفصله عن جمهوره وهو لا يزال حاضرًا في المشهد.

ومن هنا، تركز حملات الحرب النفسية على استهداف الثقة باعتبارها أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها حركات المقاومة. فالعلاقة بين القيادة والحاضنة الشعبية تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة في التضحيات والأهداف والقدرة على تمثيل تطلعات الجمهور.

ولضرب هذه العلاقة، يجري استخدام مجموعة من الأدوات المتكررة، تبدأ ببث الشائعات بشأن الحياة الشخصية للقيادات، والتشكيك في مصادر أموالهم وممتلكاتهم، ثم الانتقال إلى تحميلهم المسؤولية الكاملة عن الدمار والخسائر البشرية، وتصويرهم باعتبارهم المستفيدين من استمرار الحرب.

كما يجري تضخيم الخلافات السياسية الطبيعية وتحويلها إلى صراعات داخلية، والترويج المستمر لوجود انقسامات وانهيارات داخل صفوف المقاومة، إلى جانب اتهام قياداتها بالعمل لمصلحة أجندات خارجية بدلًا من المصالح الوطنية الفلسطينية.

نهج شبكة أفيخاي في التحريض المكشوف

يعمد مرتزقة شبكة أفيخاي إلى إغراق الفضاء الإعلامي بكميات هائلة من المعلومات والاتهامات التي يصعب على الجمهور التحقق منها، بحيث تصبح الشائعة أكثر انتشارًا من الحقيقة، ويتحول الدفاع عن الشخصيات المستهدفة إلى مهمة مستمرة تستنزف الوقت والجهد والقدرات الإعلامية.

ويزداد تأثير هذه الحملات خلال الحروب والأزمات الإنسانية، عندما يكون المجتمع الفلسطيني تحت ضغط هائل بفعل القتل والنزوح والجوع وفقدان المنازل والأقارب.

ففي مثل هذه الظروف، تصبح البيئة الاجتماعية أكثر قابلية للتأثر بالمعلومات التي تستهدف مشاعر الغضب والإحباط، وهو ما يجعل الحرب النفسية جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية.

كما تكشف طبيعة حملات التحريض عن محاولة متعمدة لصناعة فجوة بين الفلسطينيين في الداخل والخارج، من خلال تصوير أبناء غزة المقيمين خارج القطاع باعتبارهم منفصلين عن معاناة أهلهم، رغم أن عددًا كبيرًا منهم فقد أقارب ومنازل وممتلكات، ويعمل في المجالات السياسية والإعلامية والإغاثية لنقل صوت الفلسطينيين وحشد الدعم لقضيتهم.

وتتجاهل حملات التشويه أن ممارسة الإنسان لحياته اليومية لا تمثل دليلًا على التخلي عن قضيته أو شعبه، كما أن وجود ناشط أو قائد فلسطيني في مطعم أو سوق لا يلغي دوره السياسي أو الإعلامي ولا يمحو ما قدمه أو فقده خلال الحرب.

ويبرز مختصون إعلاميون أن الهدف النهائي للاغتيال المعنوي لقيادات ورموز المقاومة لا يتمثل في إسقاط شخص أو قائد بعينه، وإنما في ضرب الثقة داخل المجتمع الفلسطيني وتحويل الغضب الناتج عن الحرب إلى صراع داخلي يستنزف الفلسطينيين ويضعف قدرتهم على مواجهة الاحتلال.

وبذلك، تصبح حماية الوعي العام وكشف حملات التضليل جزءًا أساسيًا من المواجهة الإعلامية. فالحرب التي تُخاض بالصورة والشائعة والحسابات الوهمية لا تقل تأثيرًا عن الحرب العسكرية، كونها تستهدف البنية المعنوية للمجتمع وتسعى إلى فصل القيادات عن جمهورها وإسقاط الرموز وتشويه التضحيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى