سلطة رام الله تتحايل بالانتخابات لإثبات حسن السلوك وفقاً للشروط الأميركية والإسرائيلية

أعاد مرسوم رئيس سلطة رام الله محمود عباس، القاضي بإجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فتح باب الجدل حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني والتحايل الحاصل لإثبات حسن السلوك وفقاً للشروط الأميركية والإسرائيلية.
إذ أن النقاش تجاوز هذه المرة مسألة تجديد الشرعيات بعد أكثر من عشرين عاماً من تعطيل الحياة الديمقراطية، ليركز على طبيعة الانتخابات نفسها، وما إذا كانت تمثل مدخلاً لإصلاح النظام السياسي أم خطوة لإعادة هندسة السلطة بما يتوافق مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية لمستقبل القضية الفلسطينية.
وكان الإعلان عن الانتخابات جاء في لحظة سياسية وأمنية غير مسبوقة، مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع ضم الضفة الغربية، وتسارع عمليات تهويد القدس، في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لضغوط دولية وإقليمية متزايدة لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني تحت عنوان “الإصلاح”.
ويرى محللون أن توقيت المرسوم لا يمكن فصله عن الضغوط الأميركية والأوروبية التي تكثفت خلال الأشهر الماضية لإعادة هيكلة السلطة باعتبارها الجهة التي تسعى واشنطن إلى إعادة تمكينها لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، شريطة إدخال تعديلات سياسية وأمنية وإدارية تتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة.
مؤشرات هندسة العملية الانتخابية
اعتبر الكاتب الفلسطيني داود كتّاب، أن الانتخابات تمثل فرصة لإدخال دماء جديدة إلى المؤسسات الفلسطينية وإنهاء حالة الجمود السياسي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود مؤشرات توحي بمحاولة هندسة العملية الانتخابية بما يضمن عدم تكرار نتائج انتخابات عام 2006، عندما فازت حركة حماس بالأغلبية البرلمانية.
ويبرز كتّاب، أن من بين هذه المؤشرات فصل الانتخابات التشريعية عن الانتخابات الرئاسية، في وسيلة للإبقاء على الرئاسة خارج أي تغيير محتمل في موازين القوى داخل المجلس التشريعي، بما يضمن استمرار مركز القرار السياسي بيد القيادة الحالية حتى في حال تغير تركيبة البرلمان.
كما يثير شرط التزام المرشحين بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية تساؤلات واسعة، كونه يستخدم لاستبعاد شخصيات أو قوى لا تنسجم مع التوجهات السياسية للسلطة أو مع الاشتراطات التي تطرحها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بشأن شكل القيادة الفلسطينية المقبلة.
يضاف إلى ذلك أن خفض نسبة الحسم إلى واحد بالمئة قد يؤدي إلى مزيد من تفتيت الأصوات، عبر تشجيع القوائم الصغيرة والعائلية والمناطقية، بما يقلل من فرص تشكل كتل سياسية كبيرة قادرة على إحداث تغيير حقيقي داخل المجلس التشريعي.
إثبات “حسن السلوك” أمام واشنطن وتل أبيب
تذهب الكاتبة الأردنية لميس أندوني إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الانتخابات قد تتحول إلى وسيلة لإثبات “حسن السلوك” أمام واشنطن وتل أبيب، أكثر من كونها استحقاقاً وطنياً يهدف إلى تجديد الشرعية الفلسطينية.
وترى أندوني أن الحديث الأميركي عن “إصلاح السلطة الفلسطينية” لا ينفصل عن مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل المؤسسات الفلسطينية بما ينسجم مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية، عبر إنتاج قيادة سياسية جديدة تقبل بالشروط الدولية وتبتعد عن الخطاب التحرري والمقاوم.
وتستند هذه المخاوف إلى تجربة انتخابات عام 2006، عندما رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال نتائج الانتخابات بعد فوز حركة حماس، وفرضت حصاراً سياسياً ومالياً انتهى بالانقسام الفلسطيني الذي ما زالت تداعياته مستمرة حتى اليوم.
وعليه تحذر من أن السيناريو ذاته قد يتكرر إذا أظهرت استطلاعات الرأي أو نتائج الانتخابات تقدماً لقوى لا تحظى بقبول واشنطن، ما يعني أن العملية الانتخابية قد تخضع منذ بدايتها لمحاولات فرز سياسي مسبق، سواء عبر شروط الترشح أو الضغوط الخارجية أو التدخل في نتائجها.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تتزايد هذه المخاوف في ظل التصنيف الأميركي والأوروبي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي يفتح الباب أمام ضغوط قد تستهدف منع مشاركتهما أو تقليص حضورهما داخل المجلس التشريعي، في وقت تشير فيه تقديرات سياسية إلى أن الضغوط قد تمتد أيضاً إلى شخصيات من داخل حركة فتح نفسها إذا اعتُبرت غير منسجمة مع الرؤية الأميركية.
وفي الوقت نفسه، يطرح إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال إشكاليات عملية وسياسية معقدة، تبدأ من مشاركة سكان قطاع غزة الذين يعيشون وسط حرب ودمار ونزوح واسع، ولا تنتهي عند القدس المحتلة، التي تواصل دولة الاحتلال رفض أي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية فيها، كما حدث في محطات انتخابية سابقة.
وأي انتخابات تُجرى دون مشاركة فعلية للقدس، أو في ظل قيود الاحتلال على الضفة الغربية وغزة، ستواجه تحديات كبيرة تتعلق بشرعيتها الوطنية، فضلاً عن صعوبة اعتبارها تعبيراً كاملاً عن الإرادة الشعبية الفلسطينية.
كما تتجاوز الإشكالية حدود الداخل الفلسطيني إلى غياب ملايين الفلسطينيين في الشتات عن أي عملية انتخابية، في ظل استمرار تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية كمظلة جامعة للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
ويؤكد مراقبون أن اقتصار الانتخابات على الضفة الغربية وقطاع غزة يكرس عملياً تجزئة التمثيل السياسي الفلسطيني، ويضعف البعد الوطني الجامع للقضية، خصوصاً مع استمرار تعثر جهود إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية جديدة.
كما يحذرون من أن المنافسة الانتخابية قد تتحول إلى صراع داخلي على إدارة سلطة محدودة الصلاحيات، بدلاً من أن تكون ساحة لتجديد المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار الاحتلال وسيطرته على الأرض والحدود والموارد.
وعليه فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، وإنما في طبيعة البيئة السياسية التي ستجري فيها، ومدى قدرتها على إنتاج قيادة مستقلة تعبر عن الإرادة الشعبية بعيداً عن الضغوط الخارجية.





