بعد وقف مخصصات الأسرى.. أين ذهبت الأموال التي كانت تُصرف لهم؟

أكثر من مليار ونصف مليار شيقل؛ أموال تقول أربعة مصادر مطلعة في مؤسسات السلطة إنها لم تعد تُدفع للأسرى وذويهم منذ تغيير نظام المخصصات المالية في فبراير/شباط 2025.
وبينما أوقفت السلطة الجزء الأكبر من المدفوعات وفق النظام السابق، لم تقدم بيانات مالية تفصيلية تكشف حجم الأموال التي وفرتها نتيجة القرار، أو توضح بصورة مباشرة البنود التي أعيد توجيهها إليها.
ويضع هذا الغياب ملف إدارة هذه الأموال أمام علامات استفهام جدية، خصوصًا أن الحديث يدور عن مبالغ تقدر بمئات الملايين من الشواقل سنويًا، في وقت تعلن فيه السلطة باستمرار عن أزمة مالية وعجز متراكم في موازنتها.
كيف وصل الرقم إلى 1.5 مليار شيقل؟
وبحسب أربعة مصادر مطلعة في مؤسسات السلطة تحدثت إلى وسائل إعلام، كان النظام السابق يشمل نحو 7500 أسير ومحرر، بينهم قرابة 5500 أسير داخل سجون الاحتلال ونحو 2000 محرر.
وتقول المصادر إن قيمة المخصصات الشهرية كانت تختلف وفق مدة الاعتقال، وتتراوح بين 1400 و13 ألف شيقل، فيما يبلغ متوسط المخصص، وفق تقديراتها، نحو 7500 شيقل للمستفيد.
وبناءً على ذلك، قدرت المصادر قيمة المخصصات الشهرية بأكثر من 55 مليون شيقل، أي ما يزيد على 660 مليون شيقل سنويًا.
لكن الإنفاق على الأسرى لم يقتصر على هذه المبالغ، إذ كانت السلطة تدفع أيضًا مبالغ شهرية لتغطية احتياجات الأسرى داخل السجون، إضافة إلى أتعاب المحامين الذين يتولون متابعة قضايا المعتقلين أمام المحاكم الإسرائيلية.
وتقدر المصادر إجمالي الإنفاق على مختلف البنود المرتبطة بملف الأسرى بنحو 900 مليون شيقل سنويًا، مع اختلاف قيمة التقدير بحسب النفقات التي تدخل ضمن الحساب.
وبناءً على هذه الأرقام، قدرت المصادر أن الأموال التي لم تعد السلطة تدفعها للأسرى وذويهم منذ تغيير النظام تجاوزت مليارًا ونصف مليار شيقل.
مخصصات الأسرى
ولم تتوقف جميع المدفوعات المرتبطة بالأسرى بعد تغيير النظام، فبحسب المصادر، استمرت السلطة في دفع رواتب لبعض الأسرى المنتمين إلى حركة فتح ممن كانت سجلاتهم مثبتة في مؤسسات الأسرى قبل 25 يناير/كانون الثاني 2025، لكن عبر آليات مختلفة.
كما تقول المصادر إن مئات الأسرى المنتمين إلى الحركة جرى تفريغهم للعمل في الأجهزة الأمنية، بحيث أصبحت مستحقاتهم تُصرف ضمن بند الرواتب في وزارة الداخلية أو جهاز المخابرات العامة، بدل إدراجها ضمن نظام مخصصات الأسرى.
وتقدر المصادر أن هذه الحالات لا تمثل أكثر من نحو 20% من إجمالي المخصصات التي كانت تُدفع للأسرى وفق النظام السابق.
وهكذا، لم تختفِ كل الأموال المرتبطة بالمستفيدين، وإنما تغيرت قنوات صرف جزء منها، بينما خرج الجزء الأكبر من المدفوعات من النظام الذي كان مخصصًا للأسرى.
أزمة مالية وغياب تفصيل الإنفاق
وأدى إيقاف الجزء الأكبر من المخصصات السابقة إلى خفض الإنفاق المرتبط بهذا البند، إلا أن حجم الانخفاض الفعلي لا يظهر في البيانات المنشورة بصورة تمكن من تتبع الأموال التي لم تعد تُصرف.
وتزداد حساسية المسألة مع حجم المبلغ المتداول؛ فإذا كانت فاتورة النظام القديم تقترب، وفق تقديرات المصادر، من 900 مليون شيقل سنويًا، فإن تغيير هذا الإنفاق يفترض أن يترك أثرًا واضحًا في الحسابات العامة، سواء من خلال خفض العجز أو زيادة الإنفاق على بنود أخرى.
لكن هذا الأثر لا يظهر بصورة مفصلة في البيانات المتاحة، وفي ظل الأزمة المالية التي تواجهها السلطة، يمكن أن تدخل الأموال التي لم تعد تُخصص للنظام السابق ضمن الموارد المستخدمة لتغطية نفقات حكومية أخرى، بما فيها الرواتب والالتزامات القائمة والعجز المالي.
كما أن استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة يؤثر بصورة مباشرة في قدرة السلطة على تمويل نفقاتها، ما يزيد صعوبة تتبع أثر الأموال التي توقفت عن الذهاب إلى ملف المخصصات ضمن الموازنة العامة.
وهذا الغموض لا يتعلق بتفصيل محاسبي صغير، بل بأموال تقدر بمئات الملايين من الشواقل، ما يثير انتقادات بشأن مستوى الشفافية في إدارة المال العام، ويترك مسار جزء كبير من هذه الأموال غير واضح للرأي العام.
أموال إضافية خارج ملف الأسرى
وتتسع قيمة الأموال المتأثرة بتغيير النظام عند احتساب الفئات الأخرى التي كانت مشمولة بمنظومة المخصصات، فبحسب المصادر، كان نحو 30 ألف مستفيد من الجرحى وعائلات الشهداء والأسرى يحصلون أيضًا على مخصصات شهرية وفق أنظمة سابقة، تراوحت قيمتها بين 1400 و3000 شيقل.
وبالتالي، فإن التغيير لم يمس بند مخصصات الأسرى والمحررين وحده، وإنما طال منظومة مالية أوسع كانت تشمل آلاف المستفيدين من فئات مختلفة.
فالسلطة اتخذت قرارًا أدى إلى وقف الجزء الأكبر من مدفوعات كانت تقدر بمئات الملايين سنويًا، لكنها لم تنشر، وفق المعطيات المتاحة، كشفًا ماليًا تفصيليًا يبين قيمة الأموال التي وفرتها نتيجة القرار، وما استمر صرفه، وما أعيد توجيهه إلى بنود أخرى.
ومع تقديرات تتحدث عن أكثر من 1.5 مليار شيقل لم تعد تُدفع خلال الفترة التي تلت تغيير نظام مخصصات الأسرى، فإن غياب هذه البيانات لا يبدو مجرد نقص في التفاصيل المحاسبية، بل يفتح بابًا واسعًا أمام الانتقادات المتعلقة بالشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي تعلن السلطة أنها تواجهها.



