قيادة سلطة رام الله تعول على أيزنكوت على أمل تجنب الانهيار الكامل

أظهرت الأوساط الإعلامية والسياسية المقربة من قيادة سلطة رام الله في الأيام الأخيرة تعويلا واضحا على احتمال فوز حزب “يشار” بزعامة غادي أيزنكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السابق في انتخابات الكنيست الإسرائيلية المرتقبة.
وقد حقق حزب “يشار” تقدّماً ملحوظاً خلال الأشهر الماضية حتّى بات ينافس حزب “الليكود” بزعامة بنياني نتنياهو على المرتبة الأولى في الانتخابات المرتقبة، بل يتفوّق عليه أحياناً في بعض الاستطلاعات.
ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، وستكون لنتائجها تأثيرات كبيرة في مجريات الأحداث بالمنطقة عامّة، وفي مستقبل القضية الفلسطينية خصوصاً.
أهدف سلطة رام الله تجنب الانهيار الكامل
يبرز مدير مركز مسارات للأبحاث والدراسات في رام الله هاني المصري، أن المعارضة الإسرائيلية بات يجمعها أهدافٌ مشتركة، أبرزها إسقاط نتنياهو، والمطالبة بإجراء تحقيق في إخفاقات “7 أكتوبر”، ورفض التعديلات القضائية التي ترى أنّها تمسّ بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي.
غير أن نقطة ضعف المعارضة الإسرائيلية الأساسية أنّها لا تقدّم بديلاً سياسياً حقيقياً في قضايا الأمن والقضية الفلسطينية، بل تختلف مع الحكومة الحالية في الأسلوب أكثر ممّا تختلف معها في الجوهر، بحسب المصري.
ويبرز أنه “لا بدّ من التمييز بين سيناريوهَين مختلفَين داخل المعارضة. فإذا ترأّس الحكومة المقبلة نفتالي بنيت، الذي يقف في قضايا عديدة إلى يمين نتنياهو، فإنّ برنامجه يقوم على ضمّ المناطق المصنّفة (ج)، التي تشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، مع منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً في المنطقتين (أ) و(ب) تحت السيادة الإسرائيلية”.
وتابع “أما إذا ترأّس الحكومة المقبلة غادي أيزنكوت، فإنّه يبدي انفتاحاً أكبر على التوصّل إلى تسويات سياسية، بوصفها مدخلاً لتحقيق ترتيبات أمنية، من دون أن يؤيّد إقامة دولة فلسطينية، كما يؤيّد الإبقاء على السلطة كسلطة تدير السكّان تحت السيادة الإسرائيلية، بما قد يفتح نافذة لإجراء انتخابات جديدة لسلطة الحكم الذاتي، وإعادة جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة، والسماح بعودة قسم من العمّال لإسرائيل، بما يجنّب السلطة الانهيار”.
استمرار السلطة الفلسطينية يخدم المصالح الإسرائيلية
أشار المصري إلى آيزنكوت يتبنّى رؤية المؤسّسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي ترى أنّ استمرار السلطة الفلسطينية يخدم المصالح الإسرائيلية، ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضاً في تكريس الفصل السياسي والقانوني والديموغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ومن المرجَّح أيضاً أن تكون حكومة برئاسة آيزنكوت أكثر استعداداً للتجاوب مع صفقة القرن التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فترة رئاسته الأولى، ولم تقرّها حكومة نتنياهو التي كانت قائمة حينذاك.
كما ستكون معنية بإصلاح العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، التي شهدت تراجعاً ملحوظاً، خصوصاً مع التحوّل المتزايد في الرأي العام الأميركي، الذي بدأ ينعكس تدريجياً على النُّخب السياسية في الحزبين، خصوصاً الحزب الديمقراطي الذي يشهد تحوّلاً كبيراً لمصلحة الفلسطينيين، ويتجلّى في صعود شخصيات تؤيّد الحقوق الفلسطينية، وتطالب بوقف تزويد (إسرائيل) بالسلاح، وتؤيّد قيام دولة فلسطينية، وترفع شعار “أميركا أولاً، لا إسرائيل أولاً”.
وشدد المصري على أن الفلسطينيين، رغم ما يواجهونه من مخاطر وتحديات وجودية، سواء استمرت حكومة نتنياهو أم جاءت حكومة برئاسة آيزنكوت، ما زالت أمامهم فرص يمكن استثمارها، شرط المبادرة إلى بلورة رؤية وطنية شاملة، وإحداث تغيير عميق في السياسات والأداء والقيادات.
وأكد بهذا الصدد على ضرورة “إحياء المؤسّسة الوطنية الجامعة وإعادة بنائها على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية، واعتماد استراتيجيات جديدة تتناسب مع المرحلة، من دون التخلّي عن الحقوق والأهداف الكبرى والتاريخية الوطنية المستندة إلى وحدة القضية والأرض والشعب والسردية التاريخية”.
في الوقت ذاته حذر المصري من أنه إذا ما سادت عند القيادة الرسمية للسلطة نظرة فئوية ضيقة تغلّب مصالحها الخاصّة على المصلحة الوطنية، وترى في رحيل حكومة نتنياهو مجرّد فرصة لإنعاش السلطة وضمان بقائها، من دون إدراك أنّ بقاء السلطة كما هي، بوصفها إدارة للسكّان تحت الاحتلال، ليس أمراً حميداً ولا هدفاً في حدّ ذاته، فإنّ ذلك سيعيد إنتاج الأزمة نفسها، وسيعمّقها، وسيزيد من مخاطر نجاح مخطط تصفية القضية الفلسطينية من جذورها.





