تحليل لمنصة دولية: سلطة رام الله تأسست لخدمة التنسيق الأمني فقط

رصد تحليل دولي أزمة عميقة تضرب سلطة رام الله وحركة فتح، مؤكدا أن البنية التي نشأت بموجب اتفاقيات أوسلو تحولت تدريجياً إلى نموذج حكم يواجه أزمة شرعية متصاعدة في ظل عجز سياسي، واعتماد مالي على الاحتلال والمساعدات الخارجية، وتركيز متزايد على الوظيفة الأمنية والتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي.
وأعاد التحليل الذي نشرته منصة The Conversation الدولية، جذور الأزمة إلى اتفاقيات أوسلو التي وُقعت عام 1993 بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وروجت لها الحكومات الغربية باعتبارها طريقاً نحو حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
ومنحت الاتفاقيات الفلسطينيين قدراً من الحكم الذاتي عبر سلطة فلسطينية جديدة كُلفت بإدارة أجزاء من الأراضي الفلسطينية، وامتلكت صلاحيات تتعلق بفرض الضرائب وإجراء انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة.
غير أن دولة الاحتلال رفضت السماح للسلطة بممارسة مسؤولياتها الإدارية في القدس الشرقية، فيما أُرجئت ملفات القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والترتيبات الأمنية إلى مفاوضات “الوضع النهائي” التي لم تصل إلى نهايتها.
وتكشف هذه الصيغة، وفق التحليل، عن أحد أبرز تناقضات سلطة رام الله منذ تأسيسها عام 1994.
فبينما نظر الفلسطينيون إليها باعتبارها نواة لدولة مستقبلية ومؤسسة يفترض أن تقود عملية التحرر من الاحتلال، تعاملت دولة الاحتلال معها بصورة مختلفة، بوصفها جهازاً لإدارة السكان الفلسطينيين وضبط الوضع الأمني ومنع أي مقاومة للاحتلال.
فتح من حركة تحرير إلى وكيل أمني
تضع المنصة الوظيفة الأمنية في قلب هذا التناقض، مشيرة إلى أن حركة فتح تلقت منذ تأسيس السلطة دعماً وتمويلاً دولياً كبيراً لبناء أجهزة أمنية تتولى حفظ النظام، بينما ركزت الاتفاقيات اللاحقة مع إسرائيل على توسيع ما يسمى “التعاون الأمني” بين الجانبين.
وتشير إلى أن دولة الاحتلال ربطت أي تقدم سياسي إضافي بمطالبة السلطة وأجهزة فتح الأمنية بمواجهة المقاومة، وهو ما جعل إصلاح الأجهزة الأمنية عام 2007 يُنظر إليه فلسطينياً، وفق الباحث علاء طرطير، باعتباره أقرب إلى تجريم المقاومة منه إلى مشروع لتحسين الأمن والنظام.
وتؤكد هذه المعادلة، بحسب التحليل، أن الفجوة بين ما كان ينتظره الفلسطينيون من السلطة وما كانت تطلبه منها تل أبيب والجهات الدولية تحولت مع مرور الوقت إلى مصدر رئيسي لأزمة الشرعية.
فالفلسطينيون كانوا ينتظرون مؤسسة تقود نحو الدولة وتدافع عنهم في مواجهة الاحتلال، بينما أصبحت السلطة مطالبة عملياً بإدارة شؤونهم تحت الاحتلال والحفاظ على الترتيبات الأمنية معه.
وتربط المنصة هذا الواقع بتراجع شعبية حركة فتح ومحمود عباس، الذي يتولى رئاسة السلطة منذ عام 2005 رغم أن الولاية الرئاسية كانت محددة بأربع سنوات.
كما بقيت حركة فتح مسيطرة على مؤسسات السلطة منذ تأسيسها، في وقت لم تُجرَ فيه انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة منذ سنوات طويلة.
فساد السلطة الفلسطينية
أبرزت المنصة الدولية أن استمرار شلل الوضع الفلسطيني غذّى اتهامات واسعة للسلطة وفتح بالفساد والمحسوبية وسوء الإدارة البيروقراطية، إلى جانب استياء فلسطيني من فشل المسار الدبلوماسي في وقف الاحتلال أو منع التوسع الاستيطاني أو الاقتراب من إقامة الدولة الفلسطينية.
وتستشهد المنصة باستطلاعات رأي أظهرت حجم الأزمة التي تواجه عباس، حيث قال 6% فقط من المشاركين إنهم سيصوتون له في انتخابات فلسطينية، مقابل 41% قالوا إنهم سيدعمون الأسير مروان البرغوثي.
كما أظهر الاستطلاع أن 85% من المستطلعين طالبوا باستقالة عباس، بينما لم تتجاوز شعبية حركة فتح 18%.
وتضيف أن أزمة الشرعية دفعت السلطة إلى مزيد من النزعة السلطوية وقمع الاحتجاجات، بينما أدى قرار عباس تأجيل الانتخابات الفلسطينية عام 2021 إلى إلحاق ضرر إضافي بمصداقية النظام السياسي في رام الله.
وتكشف المنصة جانباً آخر من الأزمة يتمثل في الارتهان المالي، إذ تعتمد السلطة منذ تأسيسها على أموال المقاصة التي تجمعها دولة الاحتلال وعلى المساعدات الدولية.
وقد استخدمت تل أبيب مراراً السيطرة على أموال الضرائب الفلسطينية كوسيلة ضغط، بينما منح اعتماد السلطة على المساعدات الخارجية، وخاصة الأمريكية، الجهات المانحة نفوذاً واسعاً على القرار السياسي الفلسطيني.
وتشير إلى أن هذا الاعتماد جعل استمرار السلطة مرتبطاً، بدرجات مختلفة، بالاحتلال الإسرائيلي والدعم الدولي، الأمر الذي عمّق ضعفها السياسي وحوّل مؤسسات الحكم الذاتي إلى بنية محدودة القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
وتخلص منصة The Conversation إلى أن أزمة السلطة مرتبطة بطبيعة النموذج الذي نشأ منذ أوسلو باعتبارها وكيلا أمنيا، وأن إصلاح السلطة يتطلب عملياً تخلي حركة فتح عن سياسة احتكارها للمؤسسات التي تستند إليها في الحفاظ على نفوذها.
وتبرز المنصة أن مستقبل السلطة يزداد غموضاً مع تقدم عباس (91 عاما) في السن وغياب خليفة واضح، محذرة من أن مرحلة ما بعده قد تفتح الباب أمام اضطرابات وصراعات داخلية حول خلافته.





