تحليلات واراء

لماذا تخشى حركة فتح خوض أي انتخابات عامة بعد 20 عاما من التعطيل؟

تبرز جملة من الأسباب تجعل حركة فتح تخشى خوض أي انتخابات عامة وذلك على الرغم من التصريحات الإعلامية المتكررة لمسئولين في الحركة بشأن جهزتها وجديتها لمواجهة الاستحقاق الانتخابي الأول منذ خسارتها المذلة في أخر انتخابات تشريعية أمام حركة “حماس” عام 2006.

ويطرح مدير مركز مسارات للأبحاث والدراسات في رام الله هاني المصري، جملة من الأسباب التي تجعل حركة فتح مترددة في خوض انتخابات عامة، في مقدمتها الخشية من نتائج قد تعكس تراجع شعبية وسلطة رام الله، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتداعيات المؤتمر العام الثامن للحركة، إلى جانب غياب برنامج سياسي جامع قادر على حشد الشارع والدفاع عن المصلحة العامة.

ويرى المصري أن هذه الحالة تدفع أطرافاً مختلفة في حركة فتح، ولا سيما من جرى إقصاؤهم، إلى البحث عن مصالحهم الخاصة بدلاً من العمل ضمن إطار سياسي موحد عبر التشبث بالمناصب والنفوذ وعرقلة أي فرص لإجراء انتخابات عامة.

عباس والقرار الفردي في مصير الحالة الفلسطينية

يعتبر المصري أن الأخطر في المشهد الانتخابي يتمثل في أن القرار لا يبدو صادراً عن مؤسسة فلسطينية صاحبة ولاية واضحة، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بقرار فردي يمكن تغييره في اللحظة الأخيرة.

ووفق هذا التقدير، تبقى عدة سيناريوهات مطروحة، من إجراء الانتخابات أو تأجيلها، إلى احتمال منعها من جانب الاحتلال الإسرائيلي أو تعطيلها بذريعة العقبات الإدارية والأمنية، مروراً بالاكتفاء بما يسمى “المجمعات الانتخابية”، أو اللجوء إلى الحوار الوطني، أو إحياء المجلس التشريعي وتعيين رؤساء لجانه من أعضاء المجلس الوطني، وصولاً إلى ابتكار صيغ أخرى لإعادة ترتيب المؤسسات أو تشكيل جمعية تأسيسية تتولى إعادة بناء النظام السياسي.

ويشير المصري إلى أن المرسوم الرئاسي الأول المتعلق بالانتخابات كان يركز على انتخاب المجلس الوطني، مع تفضيل أن ينتخب المجلس الجديد رئيس دولة فلسطين، قبل أن يتغير المسار تحت ضغوط خارجية، وخصوصاً أوروبية، لتصبح الأولوية للانتخابات التشريعية وتأجيل الانتخابات الرئاسية.

وفي حال تأجيل الانتخابات أو منع إجرائها، يشير إلى أن التركيز قد ينتقل إلى تشكيل المجلس الوطني وتعميم تجربة المجمعات الانتخابية لتعيين ممثلين عن الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويرى المصري أن المرحلة الحالية تتطلب إدراك حساسية الظروف المحيطة بالقضية الفلسطينية، معتبراً أن الأولوية الحاسمة يجب أن تكون توفير مقومات الصمود والبقاء للشعب الفلسطيني والقضية، وتقليل الخسائر والحفاظ على المكتسبات المتبقية، وليس الاكتفاء بإدارة المؤسسات القائمة في ظل انسداد سياسي متواصل.

ويضيف أن جزءاً من الحسابات السابقة ربما ارتبط بإمكانية تبكير الانتخابات الإسرائيلية وتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، بما في ذلك خروج حركة حماس من المشهد ونزع سلاحها وهو رهان ثبت فشله.

انقسامات وصراعات داخل فتح 

يتوقع المصري أن يزيد تعدد القوائم الفتحاوية من تعقيد المشهد، خصوصاً مع احتمال دعم قيادات وازنة لبعض هذه القوائم، بما فيها قائمة قد تحظى بدعم الأسير القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي، الذي يرى المصري أن لديه فرصة قوية للفوز في الانتخابات الرئاسية إذا جرت.

ويضع ذلك فتح أمام انتخابات عالية المخاطر، في ظل تراجع شعبية الرئيس، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، والصراع على الخلافة والقيادة المقبلة، وتفاقم البطالة والفقر، وعدم انتظام دفع الرواتب، واتهامات الفساد، وفشل البرنامج السياسي، وعجز السلطة عن مواجهة مخططات الضم والتهجير والاستيطان.

ويخلص المصري إلى أن تأجيل الانتخابات المزمعة في نوفمبر المقبل، يبدو السيناريو المرجح في ظل غياب حراك انتخابي حقيقي، لكنه يرى أن التأجيل يحتاج إلى إخراج وتوقيت مناسبين، خصوصاً أن لجنة الانتخابات لا تريد أن توفر غطاءً لتأجيل العملية أو لمنعها من جانب الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي.

ويؤكد أن عدم إجراء الانتخابات لن يغير الواقع إذا لم يترافق مع تغيير في السياسات والأداء وآليات اتخاذ القرار، وإزالة القيود المفروضة على الترشح، وإنهاء الانفراد بالعملية السياسية والانتخابية.

ويحذر المصري من بناء استراتيجية سلطة رام الله على انتظار تغيير في الموقف الأمريكي أو الإسرائيلي، أو على افتراض انتهاء المقاومة في غزة أو وصول حكومة إسرائيلية أقل تطرفاً ستتبنى موقفاً مختلفاً جذرياً من الحقوق الفلسطينية.

ويينبه إلى أن المعارضة الإسرائيلية، حتى في حال وصولها إلى الحكم، لا تقدم بديلاً يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإن تركيبتها وبرامجها لا تزال بعيدة عن تقديم حل عادل للقضية الفلسطينية. وبذلك، يرى أن المشكلة تتجاوز موعد الانتخابات لتصبح أزمة في مسار سياسي كامل وصل إلى طريق مسدود.

ويطرح المصري مجموعة من المتطلبات لاستنهاض الحالة الفلسطينية، تبدأ بالاتفاق على شروط الانتخابات الحرة والنزيهة واحترام نتائجها ورفع القيود السياسية عن المرشحين، مع مطالبة المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وبريطانيا، بتوفير ضمانات تمنع الاحتلال من التدخل في العملية الانتخابية أو تعطيلها أو التأثير في نتائجها.

وإذا تقرر التأجيل، فيرى ضرورة تحديد موعد واضح، ووقف ما يسميه “مسرحية المجمعات الانتخابية”، والبحث الجدي في الخيارات التي تتيح إجراء انتخابات المجلس الوطني في البلدان التي تسمح بذلك.

ويضع المصري أولوية أخرى تتمثل في بناء جبهة وطنية واسعة تضم أكبر عدد ممكن من القوى والمؤسسات والشخصيات تقدم بدائل ونماذج عملية في السياسة والاقتصاد والمجتمع والخدمات والتنمية لا سيما أن الشعب الفلسطيني يواجه حرب إبادة وتهجير في غزة، وحرب ضم واستيطان وفصل وتطهير عرقي في الضفة الغربية والقدس، ما يتطلب تجاوز حالة الانتظار والعجز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى