سخرية واسعة من إعادة الإعلام الرسمي تدوير أغاني تمجّد عباس
من "ملاك السلام" إلى "ربان السفينة"

تحولت أغنية جديدة تمجّد رئيس سلطة رام الله محمود عباس إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بثتها قناة فلسطين الفضائية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، وظهرت في الفيديو عبارة “ربان سفينتنا الوطنية.. سيادة الرئيس محمود عباس”، بينما تردد كلمات الأغنية “حيّوا حيّوا.. أبو مازن ما في زيه”.
وأثارت الأغنية موجة من التعليقات الساخرة تحت الفيديو، في مشهد بدا مختلفاً تماماً عن الصورة التي حاول العمل الغنائي تقديمها.
ولوحظ في التعليقات على الأغنية من المتابعين استخداماً متكرراً لرمز الوجه الضاحك، إلى جانب عبارات تسخر من مضمون الأغنية وتربط بين صورة “ربان السفينة” التي تقدمها الأغنية وبين واقع السفينة السياسية التي يقودها عباس منذ سنوات طويلة.
وكتب أحد المعلقين ساخراً عن عبارة “ربان سفينتنا” متسائلاً لماذا لا تتوقف السفينة عن الغرق، فيما اكتفى آخرون بسلاسل طويلة من الأرقام والرموز الضاحكة، وكتب أحدهم “العظمة كبرت سيادة الرئيس لا زم تريحها”، بينما كتب أخرون يطالبون أولا بصرف الرواتب قبل التمجيد بالرئيس.
وظهر في التعليقات أيضاً من يسأل بسخرية عن المقصود من القول إن “أبو مازن ما في زيه”، في إشارة إلى الفجوة بين الرسالة التي أراد العمل إيصالها ورد فعل الجمهور الظاهر في التعليقات، فيما كتب أخر عن التمجيد الفاشل بعباس “الهيبة تبكي في الزاوية”.
محمود عباس ويكيبيديا
تظهر المفارقة في اختيار “ربان السفينة” عنواناً لصورة عباس بحيث تحول التعبير نفسه إلى مدخل رئيسي للسخرية في التعليقات.
فبدلاً من أن تنشغل التعليقات باللحن أو الأداء أو الكلمات باعتبارها عملاً فنياً، انشغلت بصورة الرئيس التي يحاول الفيديو تثبيتها، وبالسؤال عما إذا كانت هذه اللغة الاحتفالية ما زالت قادرة على إقناع جمهور يعيش واقعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً بالغ التعقيد.
وتزداد حساسية المشهد لأن الأغنية لم تظهر على منصة فنية مستقلة أو في إنتاج خاص لفنان يبحث عن جمهور، وإنما ظهرت عبر قناة تابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية.
وتوضح الهيئة رسمياً أنها المؤسسة الإعلامية العامة التي تشرف على شبكة تلفزيون فلسطين وقنواتها، فيما يوضح موقعها أن المشرف العام على الإعلام الرسمي يتولى الإشراف الإداري عليها بقرار من الرئيس محمود عباس. كما سبق أن نص قرار رسمي على تبعية قناة فلسطين لوزير الإعلام ضمن منظومة الإعلام الرسمي.
وتطرح هذه الصفة الرسمية سؤالاً مختلفاً عن السؤال الفني: لماذا تستخدم مؤسسة إعلامية عامة مواردها ومساحتها لبث مادة تقوم على تمجيد رئيس السلطة بدلاً من تقديم محتوى يعكس الأسئلة السياسية والاجتماعية التي تشغل الفلسطينيين؟.
ويزداد السؤال حضوراً مع استمرار الحرب في غزة وتصاعد الاستيطان والعنف الإسرائيلي ومحاولات الضم في الضفة الغربية المحتلة.
فبينما ينشغل الفلسطينيون بتداعيات الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية والسياسية، يأتي العمل ليقدم عباس من خلال قالب غنائي احتفالي، وكأن المشكلة الأكثر إلحاحاً التي تحتاج إلى معالجة إعلامية هي إعادة إنتاج صورة الزعيم في أغنية جماعية.
فضائح الإعلام الفلسطيني الرسمي
يلاحظ أن قناة فلسطين لا تكشف مع عرض الأغنية، عن اسم كاتب الكلمات أو الملحن أو الجهة التي أنتجت العمل أو الفريق الفني الذي يقف خلفه، وهو ما يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة الإنتاج وآلية اعتماده وتمويله، خصوصاً عندما يكون العمل موجهاً إلى الرئيس عبر مؤسسة إعلامية رسمية.
وتعيد الأغنية إلى الأذهان تجربة “ملاك السلام” التي أنتجها وبثها التلفزيون الفلسطيني عام 2019، والتي خصصت لتمجيد عباس وقدمت صورة احتفالية للرئيس تحت هذا اللقب، وأثارت آنذاك انتقادات وسخرية واسعة، وتركز جزء من الجدل حول مضمونها السياسي وطريقة تقديم الرئيس للجمهور.
وتبدو المفارقة اليوم أن تجربة “ملاك السلام” لم تمنع تكرار النموذج نفسه بعد سنوات، وإنما تغيرت العبارة من “ملاك السلام” إلى “ربان السفينة”، وتغيرت الأغنية لكن بقيت الفكرة الأساسية: تحويل الإعلام الرسمي إلى مساحة لإعادة تقديم صورة الرئيس بوصفه شخصية استثنائية تستحق الاحتفاء.
لكن التعليقات التي ظهرت أسفل الفيديو تقدم مؤشراً مختلفاً تماما في ظل أن غالبية التفاعل على مقطع الفيديو يسخر من الأغنية ومن صورتها السياسية، فيما يتكرر رمز الضحك بصورة لافتة.
وتكشف السخرية كذلك مشكلة أوسع تواجه الإعلام السياسي التقليدي: عندما تحاول المؤسسة الرسمية صناعة صورة إيجابية عن شخصية سياسية، يمكن للجمهور أن يعيد إنتاج الرسالة نفسها بطريقة ساخرة، فيتحول “ربان السفينة” إلى نكتة، ويتحول “أبو مازن ما في زيه” إلى عبارة قابلة للتندر بدلاً من أن تكون هتافاً جماهيرياً.
وتأتي السخرية الظاهرة تحت الأغنية في وقت تكشف فيه استطلاعات الرأي عن فجوة أوسع بكثير بين صورة عباس التي تحاول بعض أدوات الإعلام الرسمي تقديمها وبين مستوى القبول الشعبي بقيادته.
فقد أظهر أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أجري في الضفة الغربية وقطاع غزة بين 5 و8 أغسطس/آب 2026، أن 79% من الفلسطينيين يريدون استقالة عباس، مقابل 16% فقط يريدون بقاءه في منصبه.
وسجل الاستطلاع نفسه 20% فقط نسبة رضا عن أداء عباس، مقابل 76% غير راضين عنه، فيما حصل عباس على 14% فقط في أفضل سيناريو انتخابي افتراضي قد يخوضه، علما أن نسبة المطالبة باستقالة عباس بقيت خلال السنوات الثلاث الماضية بين 79% و89%.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة صورة عباس أعمق من تعليق ساخر أو أغنية فاشلة في استقطاب الجمهور. فبينما تحاول الأغنية أن تقول “أبو مازن ما في زيه”، تقول استطلاعات الرأي شيئاً أكثر قسوة: أغلبية كبيرة تطالب باستقالته، ونسبة الرضا عن أدائه منخفضة، وإقرار شعبي بأن سفينة السلطة تغرق بينما ينشغل الإعلام الرسمي في مخطابه نفسه بمواد دعائية باهتة المضمون والنتائج.






