تحليلات واراء

عباس يوسّع رهانه على حلفاء الاحتلال.. تقارب مع اليونان وقبرص بحثاً عن أي اعتراف خارجي

يعكس تقارب رئيس سلطة رام الله محمود عباس مع اليونان وقبرص توجهاً سياسياً لتوسيع شبكة علاقات السلطة واستقطاب دعم دولي، حتى من دول ترتبط بتعاون وثيق واستراتيجي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ويأتي هذا المسار في وقت تتمسك فيه قيادة السلطة بخيار التسوية السياسية، وتسعى إلى تثبيت موقعها ممثلاً رسمياً للفلسطينيين وشريكاً في أي ترتيبات سياسية أو جهود لإعادة إعمار غزة.

وبرز هذا التوجه في زيارة عباس إلى قبرص يومي 29 و30 أكتوبر/تشرين الأول، حيث التقى الرئيس نيكوس خريستودوليدس وبحثا العلاقات الثنائية والتطورات في غزة والضفة الغربية، والمساعدات الإنسانية، والعلاقات بين السلطة والاتحاد الأوروبي.

ووفق بيان الحكومة القبرصية، شملت المحادثات أيضاً دور ممر «أمالثيا» البحري لإيصال المساعدات إلى غزة.

وتكتسب الزيارة دلالتها من موقع قبرص وعلاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ تجمع نيقوسيا بين الاعتراف بدولة فلسطين والحفاظ على شراكة وثيقة مع تل أبيب، وهو ما يجعلها، من وجهة نظر قيادة السلطة، قناة محتملة للتواصل مع أطراف أوروبية وإسرائيلية، وفرصة لتوسيع الحضور الفلسطيني في ملفات المساعدات والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

لكن هذا الرهان يضع السلطة أمام اختبار سياسي: هل تستطيع تحويل علاقات قبرص بإسرائيل إلى ضغط فعلي لوقف الانتهاكات وتسهيل الإغاثة، أم يقتصر المكسب على اللقاءات والبيانات الدبلوماسية؟

ويقدم الممر البحري «أمالثيا» مثالاً على أهمية هذا الدور. فقد عرضت قبرص نفسها بوصفها نقطة عبور للمساعدات إلى غزة، وأصبحت المبادرة جزءاً من جدول المحادثات بين عباس وخريستودوليدس.

محمود عباس ويكيبيديا

تُظهر هذه الملفات كيف تسعى السلطة إلى ربط علاقاتها الخارجية باحتياجات القطاع، وبموقعها المحتمل في إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.

ولا يقتصر التحرك على قبرص. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس رام الله والتقى عباس، معلناً دعم أثينا للسلطة الفلسطينية بوصفها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”، واستعداد بلاده للمساهمة في إعادة إعمار غزة وتعزيز الظروف الأمنية.

كما أكدت اليونان دعمها للمساعدات الإنسانية وللمسار السياسي القائم على حل الدولتين.

وتبرز هنا مفارقة سياسية: اليونان وقبرص ترتبطان بتعاون استراتيجي مع دولة الاحتلال، فيما تختار قيادة السلطة تعميق العلاقات معهما بدلاً من اعتبار تلك الشراكات سبباً للابتعاد عنهما.

ويعكس ذلك أولوية نهج التسوية لدى عباس؛ حيث تحاول السلطة العمل مع أطراف لها قنوات ومصالح مباشرة مع دولة الاحتلال، أملاً في أن تتيح هذه الصلات نفوذاً سياسياً أو مساعدات اقتصادية وإنسانية.

كما يخدم التقارب هدفاً مؤسسياً للسلطة، يتمثل في إبرازها طرفاً يمكن للحكومات الأوروبية التعامل معه بشأن غزة والضفة الغربية، وفي الدفاع عن دورها في أي ترتيبات مستقبلية.

وقد أكد ميتسوتاكيس استعداد اليونان للمساهمة في إعادة الإعمار، فيما تناولت محادثات عباس في قبرص العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والسلطة.

غير أن الاعتراف السياسي والدعم الدبلوماسي لا يضمنان وحدهما تغييراً على الأرض، ولا سيما إذا لم يقترنا بضغط عملي على دولة الاحتلال أو خطوات ملموسة لتخفيف القيود عن الفلسطينيين.

وتشير هذه التحركات إلى أن عباس لا يزال يراهن على توسيع قاعدة الدعم الدولي من خلال علاقات متعددة، حتى عندما يكون الشركاء المحتملون حلفاء لإسرائيل.

وهو رهان ينسجم مع خيار التفاوض والتسوية الذي تتبناه قيادة السطة، لكنه يظل مرهوناً بقدرة السلطة على تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة للفلسطينيين، لا مجرد تثبيت حضورها في الاجتماعات والبيانات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى