تحليلات واراء

بين المناهج والأسرى: كيف يساوم عباس على الثوابت لإرضاء واشنطن؟

لا يكل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن السعي لتقديم أوراق اعتماد سياسية وأمنية للإدارة الأميركية حتى لو كان ذلك بالمساومة على الثوابت، في محاولة مكشوفة لإقناع واشنطن بأن السلطة ما تزال صالحة للعب دور وظيفي في المرحلة المقبلة، وخصوصاً في قطاع غزة.

فعباس، الذي استثمر سنوات حكمه في الرهان على الولايات المتحدة بوصفها “الوسيط النزيه”، يعود اليوم ليطرق الباب نفسه رغم أنه أُغلق في وجهه مراراً، ورغم أن دولة الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية أعلنتا صراحة رفض أي دور فعلي للسلطة في مستقبل غزة.

وقد تصاعدت مؤشرات سعي واشنطن إلى تشكيل كيان محلي لإدارة القطاع في اليوم التالي للحرب، سواء عبر ما يسمى “مجلس السلام” أو عبر هيئة مدنية خاضعة لشروط أمنية إسرائيلية صارمة.

وبينما تم استبعاد السلطة من هذه الطروحات، سارع عباس إلى إصدار بيان يعد فيه بسلة واسعة من “الإصلاحات”، في محاولة لشراء موقع على طاولة لم يُدعَ إليها أصلاً.

محمود عباس ويكيبيديا

تضمن بيان عباس والذي صدر من دون تمهيد سياسي أو نقاش وطني، تعهدات فضفاضة بإصلاح المنظومة القانونية والمؤسسية، وتعزيز الحكم الرشيد، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وهي شعارات رُفعت مراراً منذ قيام السلطة من دون أن تجد طريقها إلى التطبيق.

غير أن اللافت في البيان ما حمله من رسائل تطمين مباشرة للإدارة الأميركية، وعلى رأسها الالتزام بمراجعة المناهج التعليمية “وفق المعايير الدولية”، في انسجام كامل مع المطالب الأميركية والإسرائيلية التي تهاجم الرواية الفلسطينية وتجرم أي مضمون مقاوم في التعليم.

وبهذا الخطاب، قدم عباس اعترافاً ضمنياً بالرواية الإسرائيلية التي تتهم المنهاج الفلسطيني بالتحريض على العنف والكراهية، متجاهلاً أن الاحتلال ذاته هو العنف المنظم، وأن المناهج الفلسطينية تعكس واقع شعب واقع تحت الاحتلال.

الأخطر أن البيان لم يضع أي خطوط حمراء سياسية، بل حاول الموازنة الشكلية بين “المعايير الدولية” و”الهوية الوطنية”، في معادلة مختلة يعرف الجميع أن الطرف الأقوى فيها هو الممول الأميركي لا الإرادة الفلسطينية.

رواتب الأسرى والمحررين

دافع عباس عن قرار وقف رواتب الأسرى المحررين، وهو القرار الذي فُرض بضغط أميركي وإسرائيلي، ونُفذ عملياً عبر مؤسسة “تمكين”.

ورغم أن القرار المذكور فجر موجة احتجاجات في الضفة الغربية، لكنه لم يدفع القيادة إلى التراجع، بل إلى تبرير العقوبة الجماعية بحق من دفعوا سنوات أعمارهم في سجون الاحتلال.

ومرة أخرى، اختارت السلطة الاصطفاف مع شروط المانحين على حساب الإجماع الوطني، مقدمةً نموذجاً صارخاً لوظيفتها الأمنية والمالية.

ويأتي هذا السلوك في توقيت بالغ الخطورة، إذ تواصل دولة الاحتلال بدعم أميركي مفتوح، تفريغ السلطة من أي مضمون سياسي.

فمخططات الضم تتسارع، والاستيطان يلتهم ما تبقى من الضفة الغربية، والاقتحامات اليومية تحول مناطق “أ” الخاضعة شكلياً لسيطرة السلطة إلى ساحات مفتوحة لقوات الاحتلال.

وعملياً، لم تعد سيطرة السلطة تتجاوز مراكز مدن محدودة، فيما تُترك القرى والمخيمات لمصيرها تحت النار والاعتقالات.

انهيار دون رد فعل

رغم الانهيار المستمر في الحالة الفلسطينية، لا يظهر في بيان عباس أي اشتباك سياسي مع هذه الوقائع.

إذ لا حديث عن وقف التنسيق الأمني، ولا عن سحب الاعتراف بإسرائيل، ولا حتى عن تحميل واشنطن مسؤولية انسداد الأفق السياسي. على العكس، يبدو البيان كأنه رسالة حسن سلوك، تُقدم مجاناً، من دون أي مقابل سياسي واضح أو مضمون.

والمفارقة أن الإدارة الأميركية نفسها لم تعد تذكر السلطة الفلسطينية في أي من تصوراتها العلنية لمستقبل غزة.

كما أن الحديث عن “حل الدولتين” بات عبارة إنشائية بلا مضمون، تُذكر عرضاً من دون خريطة طريق أو التزام زمني.

ومع ذلك، يواصل عباس التصرف وكأن الرضوخ سيعيد السلطة إلى مركز المشهد، متجاهلاً أن واشنطن لا تبحث عن شريك سياسي، بل عن أداة إدارية منزوعة الدسم.

وقد كان الأجدر بالقيادة الفلسطينية، في لحظة مفصلية كهذه، أن ترفع سقف خطابها السياسي، لا أن تخفضه. كان المطلوب التمسك بدور فلسطيني مستقل في غزة، وربط أي إصلاح داخلي بتغيير فعلي في الموقف الأميركي والإسرائيلي، لا تقديم التنازلات مسبقاً.

لكن نهج عباس، القائم على الانتظار والتوسل السياسي، يواصل إنتاج الفشل ذاته.

ويجمع مراقبون على أن بيان عباس الأخير لا يعكس مشروع إصلاح بقدر ما يعكس أزمة شرعية عميقة، في ظل سلطة تراهن على الخارج ضد شعبها، وتدافع عن قرارات تمس جوهر القضية، وتقدم نفسها بوصفها وكيلاً منضبطاً لدى واشنطن وتل أبيب.

وهكذا تتحول “الإصلاحات” إلى غطاء سياسي جديد لسياسات الارتهان، فيما تستمر القضية الفلسطينية في التراجع، بلا قيادة قادرة على المواجهة أو حتى تسجيل موقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى