خطاب “الحاضنة السنية” كأداة سياسية لتبرير التطبيع واستهداف المقاومة

يفرض تصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي حول ما يُسمى “الحاضنة السنية” نفسه كأحد أبرز أدوات إعادة تشكيل المواقف تجاه المقاومة الفلسطينية، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحرب على غزة مع التصعيد ضد إيران، وتتكشف فيها ملامح تحالفات جديدة تتجه نحو التطبيع مع إسرائيل.
ويكشف هذا الخطاب، وفق تحليل الكاتب المصري وائل قنديل، عن وظيفة سياسية تتجاوز البعد الطائفي الظاهري، حيث يتم توظيفه كأداة للضغط على فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، لدفعها إلى إعادة تموضعها بما يتماشى مع أجندة إقليمية جديدة.
ويطرح قنديل تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة هذا الضغط، متسائلًا عما يُراد من حركة مقاومة تواجه الاحتلال الإسرائيلي أن تفعله في ظل العدوان على إيران، وهل المطلوب منها الانحياز إلى المعسكر الإسرائيلي الأمريكي حتى تحافظ على ما يُروَّج له باعتباره “حاضنة سنية”.
ويؤكد قنديل أن هذا المفهوم ذاته يفتقر إلى أساس واقعي، مشيرًا إلى أن الدول التي تُصنّف ضمن هذه الحاضنة لم تقدم دعمًا فعليًا للمقاومة الفلسطينية، بل ارتبطت مواقفها بسلوكيات سياسية واقتصادية تتقاطع مع مصالح إسرائيل.
الحاضنة السنية ودعم المقاومة الفلسطينية
يرى قنديل أن الوقائع منذ عملية “طوفان الأقصى” كشفت بوضوح هذا التناقض، حيث برزت مواقف عربية ساهمت في تشديد الحصار على غزة، ومنعت وصول المساعدات، وفتحت قنوات اقتصادية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، في وقت كانت فيه المقاومة تواجه حربًا وُصفت بأنها من أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث.
ويشير إلى أن الخطاب الذي يهاجم علاقة المقاومة بمحور إقليمي يضم إيران وحلفاءها، يتجاهل سؤالًا أساسيًا يتعلق بالبدائل، في ظل غياب دعم عربي فعلي، ما يدفع المقاومة إلى البحث عن مصادر دعم خارج الإطار التقليدي.
ويعتبر قنديل أن استدعاء البعد الطائفي في هذا السياق لا يهدف إلى حماية الهوية الدينية، بل إلى تبرير تحالفات سياسية جديدة، يتم فيها تقديم إسرائيل كطرف مقبول ضمن منظومة إقليمية تحت عنوان “الاعتدال”.
ويضيف أن هذا التحول لم يعد خفيًا، بل بات معلنًا منذ سنوات، من خلال لقاءات وتحالفات إقليمية، كان أبرزها ما عُرف بقمة النقب، التي جمعت إسرائيل بعدد من الدول العربية في إطار تعاون سياسي وأمني واقتصادي.
ويربط التحليل بين هذا المسار وبين محاولات إعادة تعريف الصراع في المنطقة، بحيث يتحول من صراع عربي–إسرائيلي إلى صراع إقليمي مع إيران، ما يضع المقاومة الفلسطينية في موقع حرج بين ضغوط متناقضة.
ويشدد قنديل على أن تحميل المقاومة مسؤولية علاقاتها الإقليمية يتجاهل السياق الذي فرض هذه العلاقات، حيث لم تكن خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كانت نتيجة لفراغ الدعم العربي الرسمي.
التحريض على المقاومة الفلسطينية
يؤكد قنديل أن الخطاب الذي يهاجم المقاومة تحت شعار “الحاضنة السنية” يسهم في إضعافها، ويخدم بشكل غير مباشر المشروع الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تفكيك أي جبهة معارضة لسياساته.
ويشير إلى أن هذا الخطاب يترافق مع حملات إعلامية منظمة تستهدف تشويه صورة المقاومة، عبر اتهامها بالارتهان لقوى خارجية، دون الإشارة إلى طبيعة العلاقات التي تربط بعض الدول العربية بإسرائيل.
وينبه إلى أن هذا التناقض يعكس أزمة عميقة في الخطاب السياسي العربي، حيث يتم استخدام مفاهيم دينية لتبرير خيارات سياسية تتعارض مع المزاج الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية.
ويؤكد قنديل أن ربط المقاومة بأي محور إقليمي لا يمكن فصله عن واقع الصراع، وأن أي تقييم لهذه العلاقات يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة التحديات التي تواجهها، وليس فقط الانتماءات السياسية أو الطائفية.
ويخلص إلى أن استخدام مفهوم “الحاضنة السنية” في هذا السياق يكشف عن محاولة لإعادة هندسة الوعي العربي، بحيث يتم القبول تدريجيًا بفكرة التطبيع، مقابل شيطنة أي قوى ترفض هذا المسار.





