معالجات اخبارية

فضيحة آيكون مول.. من سمح لإعلام الاحتلال بالتحرك بحرية في قلب الضفة؟

في الوقت الذي يتعرّض فيه الصحفيون الفلسطينيون في قطاع غزة للاستهداف المباشر بالقصف والقتل المتعمّد لمجرد قيامهم بعملهم المهني، تتحرك وسائل إعلام الاحتلال بحرية لافتة داخل مدن الضفة الغربية، دون أي مساءلة أو اعتراض يُذكر.

وفي هذا السياق، ظهرت قناة “كان” الصهيونية وهي تتجول بأريحية داخل آيكون مول في رام الله، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا مع واقع الجرائم المستمرة بحق الإعلام الفلسطيني.

وهذا المشهد لم يكن حادثًا عابرًا أو منفصلًا عن سياقه، بل أعاد إلى الواجهة وقائع سابقة ما زالت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، منذ اللحظة التي افتُتح فيها آيكون مول في ذروة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

ففي الوقت الذي كانت فيه المجازر تُرتكب، والمنازل تُدمّر فوق رؤوس ساكنيها، شهدت بلدة سردا شمال رام الله حفل افتتاح صاخب، تخللته أضواء فاخرة وعروض موسيقية، وبحضور رسمي لافت ضم شخصيات رفيعة في السلطة الفلسطينية وقيادات من حركة فتح.

وأثار ذلك المشهد حينها موجة غضب واسعة، باعتباره تعبيرًا فجًا عن فجوة أخلاقية وسياسية عميقة بين واقع النخبة الحاكمة، ومعاناة السكان في قطاع غزة، الذين كانوا يواجهون القتل والحصار والانهيار الإنساني الشامل.

من هو مالك آيكون مول؟

والجدل لم يتوقف عند توقيت الافتتاح، بل سرعان ما انتقل إلى هوية مالك المشروع، رجل الأعمال غاندي جابر، الذي تحيط باسمه ملفات مثيرة للجدل على المستوى الدولي.

فبحسب تقارير رسمية منشورة من وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA)، فإن جابر مدرج على قوائم المطلوبين دوليًا، على خلفية قضايا تتعلق بتهريب كميات كبيرة من المخدرات، وهي معلومات موثقة ومعلنة على الموقع الرسمي للوكالة.

ورغم هذا الوضع القانوني الخطير، تمكن غاندي جابر من إدارة مشاريع تجارية ضخمة داخل الضفة الغربية، دون أي عوائق تُذكر، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة الحماية التي يتمتع بها، والجهات التي وفّرت له الغطاء اللازم للاستمرار في نشاطه الاقتصادي.

غاندي جابر وعلاقته بالسلطة

وتشير معلومات متقاطعة إلى أن غاندي جابر يتمتع بعلاقات قوية داخل أوساط السلطة الفلسطينية، حيث تربطه صلات وثيقة بكبار المسؤولين، أبرزهم نائب رئيس السلطة حسين الشيخ، إضافة إلى علاقته مع ياسر عباس، نجل رئيس السلطة محمود عباس.

وبحسب مصادر مطلعة، لعبت هذه العلاقات دورًا محوريًا في تجاوز العقبات القانونية، وتوفير مظلة حماية سياسية وأمنية مكّنته من مواصلة إدارة مشاريعه، رغم كونه مطلوبًا على المستوى الدولي.

لقاءات غير معلنة وتنسيق أمني

ولا تقف هذه العلاقات عند الإطار الداخلي فقط، إذ تشير معطيات إلى أن غاندي جابر أجرى لقاءات غير معلنة مع مسؤولين أمنيين إسرائيليين، عبر قنوات التنسيق الأمني، وبوساطة شخصيات فلسطينية نافذة.

ووفق هذه المعلومات، هدفت تلك اللقاءات إلى تسوية وضعه القانوني، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول دور التنسيق الأمني، وحدود استخدامه في تسهيل نشاط رجال أعمال مطلوبين دوليًا.

وهذه المعطيات تجعل من ملف غاندي جابر نموذجًا صارخًا لتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في مناطق خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، حيث يُعاد تعريف “النفوذ” بمعايير تتجاوز القانون والمساءلة.

آيكون مول والغضب الشعبي

ورغم كل ما أُثير حول مالك آيكون مول، لم يصدر عن السلطة الفلسطينية أو أجهزتها الأمنية أي توضيح رسمي بشأن وضعه القانوني، أو حقيقة الاتهامات الموجهة إليه، في صمت فُسّر على نطاق واسع بأنه جزء من سياسة احتواء متعمدة لهذا الملف.

وفي المقابل، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة غضب شعبي، حيث اعتبر كثيرون أن افتتاح آيكون مول في ذلك التوقيت، ثم السماح لاحقًا لوسائل إعلام الاحتلال بالتحرك داخله بحرية، يشكّل تجسيدًا فاضحًا لانفصال السلطة عن نبض الشارع، لا سيما في ظل المأساة المستمرة في قطاع غزة والضفة.

وهكذا، لم يعد آيكون مول مجرد مشروع تجاري فاخر، بل تحوّل إلى رمز مكثّف لواقع مختل، تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي والأمني، على حساب القيم الوطنية، ومشاعر شعب يُقتل أطفاله وصحفيّوه تحت الأنقاض.

وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تكون غزة عنوان المرحلة وبوصلة الموقف الوطني، اختارت السلطة الفلسطينية الوقوف في موقع المتفرّج، ولم تكتفِ بالصمت، بل وفّرت الغطاء السياسي والأمني لمشاهد الاحتفال، وسمحت عمليًا لكاميرات إعلام الاحتلال بالتحرك بحرية داخل قلب رام الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى