تحليلات واراء

تواطؤ بالصمت: كيف تحمي السلطة مرتزقة عصابات الاحتلال في غزة؟

يمثل الكشف المتتالي عن تورط عناصر محسوبة على أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في العمل ضمن عصابات الاحتلال الإسرائيلي التي تنشط داخل قطاع غزة إحدى أخطر الإشارات على عمق الأزمة التي تعاني منها بنية السلطة وطبيعة أولوياتها.

فبينما تتخذ القيادة في رام الله منذ سنوات طويلة إجراءات صارمة وفورية ضد أي موظف أو عنصر أمني يُشتبه بخروجه عن “التوجّه الرسمي” أو اصطدامه مع الخط السياسي السائد، نلاحظ في المقابل غيابًا مطلقًا لأي مساءلة حقيقية أو إجراءات عقابية ضد العناصر الذين ثبت انخراطهم في أعمال تتقاطع مع أجهزة الاحتلال أو تخدمها بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويمثل ذلك تعبيرا فاضحا عن أولويات السلطة، وعن حدود ما تعتبره “تورطًا يستوجب العقاب” وما تعتبره “تجاوزًا مقبولاً” ما دام لا يمس بنفوذ القيادة الحالية أو بنيتها الوظيفية.

فمنذ تأسيس السلطة، اتسمت إدارتها للملف الأمني بسياسة الحزم الانتقائي تجاه عناصرها.

إذ فور خروج أي عنصر عن الخط السياسي أو التنظيمي أو اتخاذه موقفًا مخالفًا لمركز القرار — سواء تعلق الأمر بخلاف داخلي أو انشقاق تنظيمي أو حتى مشاركة في نشاط لا يحظى بقبول القيادة — تسارع السلطة إلى اتخاذ إجراءات عقابية: تجميد الراتب، وقف الترقيات، ترقين القيد، وأحيانًا إحالة ملفات العناصر إلى لجان أمنية أو قضائية.

لكن المفارقة الصارخة تظهر عند مقارنة تلك الصرامة مع تعامل السلطة تجاه العناصر الذين ثبت تعاونهم مع الاحتلال، سواء عبر تقديم معلومات أو تنفيذ مهام ميدانية أو الانخراط في شبكات عميلة تعمل بإمرة الأجهزة الإسرائيلية في قطاع غزة.

فعلى الرغم من أن هؤلاء “مهامهم القذرة” ضمن عصابات مدعومة من الاحتلال، لم تُقدم السلطة حتى اليوم على اتخاذ أي خطوة جدّية بحقهم لا فصل، لا ترقين قيد، لا محاسبة داخلية، ولا حتى بيان يوضح طبيعة المخالفات أو يحمّل المتورطين مسؤولية الانزلاق نحو العمالة.

السلطة الفلسطينية وعصابات الاحتلال في غزة

يرى مراقبون أن هذا الصمت المؤسسي من سلطة رام الله تجاه انخراط عناصر لها في عصابات الاحتلال في غزة لا يمكن قراءته إلا كتعبير عن أحد احتمالين:

إما تواطؤ بنيوي ناتج عن تقاطع مصالح أو قنوات تنسيق أمنية تجعل السلطة غير راغبة في فتح هذه الملفات، أو خشية من انفجار داخلي إذا جرى كشف تفاصيل حساسة عن حجم الاختراق الأمني ومستوى التعاون مع الاحتلال.

وفي الحالتين، تتحمل القيادة مسؤولية مباشرة عن حماية هذه العناصر من المساءلة، الأمر الذي يجعل الاتهامات بالتواطؤ أقرب إلى الواقع منه إلى الخطاب السياسي. فكيف يمكن تفسير فصل موظف بسبب تدوينة أو موقف سياسي، بينما يُترك عنصر مشتبه بالعمالة ضمن ملاك أجهزة الأمن دون أي إجراء؟

كما أن تجاهل هذا النوع من الاختراقات يهدد بنسف ما تبقى من ثقة الجمهور في المنظومة الأمنية التابعة للسلطة والتي تُعاقب المختلف معها سياسيًا أكثر مما تعاقب من يتعاون مع الاحتلال.

فضلا عن ذلك فإن بقاء هؤلاء العناصر داخل المؤسسات يعني منح الاحتلال قدرة على النفاذ إلى المعلومات والبنية التنظيمية الداخلية، الأمر الذي يفسّر عدد من عمليات الاغتيال الدقيقة، وتحديد مواقع المقاومين.

وفي سياق قطاع غزة المنكوب، حيث تعمد أجهزة الاحتلال إلى تفعيل شبكات لوجستية وميدانية تشمل مجرمين وعصابات تعمل لصالحها داخل المناطق المدمرة والمعزولة، يصبح انضمام عناصر من السلطة إلى هذه الشبكات جريمة مزدوجة:

هي خيانة وطنية من جهة، ومساهمة في عمليات الاحتلال من جهة أخرى، سواء عبر توفير معلومات أو المشاركة في أنشطة أمنية تسهل الاستهداف.

والصمت الرسمي تجاه هذا النوع من السلوك يوجّه رسالة مقلقة: أن المساس بالمقاومة أو بتماسك الجبهة الداخلية ليس “خطرًا” في معايير السلطة بقدر ما يُعدّ التمرد على القيادة أو خروج الموظف عن الطاعة التنظيمية خطأً لا يُغتفر.

وهنا تتجاوز المشكلة الأشخاص وتتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والاحتلال. فوجود تنسيق أمني مُلزم — تُصر القيادة على اعتباره “مصلحة وطنية” — خلق بيئة رمادية لا يمكن فيها الفصل بين حدود “العمل الرسمي” و”الارتباط المشبوه”.

وتنتج هذه البيئة، التي تفتقر للشفافية والرقابة الشعبية، ثغرات يستغلها الاحتلال لزرع عملائه، وتوفر غطاء ضمنيًا للعناصر الذين يعملون على خطوط تماس مع الأجهزة الإسرائيلية.

ويشدد المراقبون على أنه ما لم تُقدم السلطة الفلسطينية على فتح تحقيقات شفافة، ومحاسبة حقيقية للعناصر المتورطين في شبكات الاحتلال — كما تفعل مع المخالفين السياسيين داخل أجهزتها — فإن الاتهامات بالتواطؤ ستظل قائمة، بل ستزداد قوة مع كل حادث جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى