واشنطن وفلسطين: وهم الحياد وسقوط الرهان على تغيير الموقف الأمريكي

لم يعد خافيًا أن الرهان على تبدّل جوهري في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية هو رهان خاسر، يقوم على سوء فهم عميق لطبيعة السياسة الأمريكية ووظيفة الكيان الصهيوني داخل منظومتها الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة لا تتحرك بدافع الأخلاق ولا استجابةً للضغط الإنساني أو القانوني، بل وفق معادلة مصالح صلبة ترى في فلسطين ساحة ثانوية، وفي الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة لا غنى عنها.
وأي قراءة تزعم أن واشنطن يمكن أن “توازن” أو “تنصف” أو “تضغط” على الكيان خارج هذا الإطار، هي قراءة إما ساذجة أو مضللة.
فالحقيقة الأساسية أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ليس نزاعًا بين طرفين غير متكافئين، بل مواجهة مباشرة مع البنية العميقة للهيمنة الأمريكية في المنطقة.
الكيان الصهيوني أداة أمريكية
لا يعد الكيان الصهيوني مجرد حليف تقليدي للولايات المتحدة، بل يشكّل حجر زاوية في مشروعها الجيوسياسي. فهو قاعدة عسكرية متقدمة، ومركز استخبارات، ومختبر حروب، وأداة ردع، إضافة إلى كونه مكوّنًا أيديولوجيًا فاعلًا داخل السياسة الداخلية الأمريكية نفسها. لهذا، فإن أي تهديد للكيان يُقرأ في واشنطن باعتباره تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها.
من هنا، يصبح الحديث عن “ضغط أمريكي” حقيقي على الكيان ضربًا من الوهم. فأي تحرك أمريكي — مهما بدا إيجابيًا في الشكل — يبقى محكومًا بسقف حماية التفوق الصهيوني، لا مساءلته أو كبحه.
وقد أثبتت التجربة الطويلة أن تغيير الخطاب الفلسطيني، أو تقديم التنازلات، أو إعادة صياغة المشروع الوطني بما يتلاءم مع “الشروط الدولية”، لم ينتج سوى مزيد من التهميش. المشكلة لم تكن يومًا في “الصورة” التي يقدمها الفلسطينيون، بل في موقع قضيتهم ضمن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
وحتى لو جرى تفريغ المشروع الوطني من مضمونه التحرري بالكامل، فلن يتحول إلى مشروع مقبول أمريكيًا، لأن القبول مشروط بعدم المساس بوظيفة الكيان ودوره. هذه حقيقة يجب أن تُقال بوضوح، بعيدًا عن المجاملات السياسية أو الخطابات الرمادية.
بداية التحول: أفول الهيمنة وتبدل الأولويات
لكن في مقابل هذا الانسداد، يبرز مسار آخر يتشكل ببطء: مسار التراكم. فالإنجازات الميدانية والسياسية والإعلامية التي تحققت مؤخرًا لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل لحظات كاشفة هزّت صورة الكيان، وأربكت داعميه، ووسّعت دائرة الشك داخل المجتمعات الغربية نفسها.
ومع تراكم هذه الضربات، بدأ الكيان يتحول تدريجيًا من “رصيد استراتيجي” إلى عبء أخلاقي وسياسي وأمني. هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يسير بثبات، مدفوعًا بتغيرات أوسع في النظام الدولي.
العالم يتغير. الهيمنة الغربية لم تعد مطلقة، والقدرة الأمريكية على فرض الإملاءات تتراجع بفعل الأزمات الداخلية، والتنافس الدولي، واستنزاف الحروب المفتوحة. في هذا السياق، تتجه الاستراتيجية الأمريكية القادمة — خصوصًا مع اقتراب عام 2026 — نحو الانكفاء، وإدارة الخسائر، وترتيب الأولويات.
وهنا تكمن نقطة التحول الخطيرة بالنسبة للكيان: حين تصبح كلفة دعمه أعلى من عوائده، وحين يتحول من أداة نفوذ إلى مصدر إحراج وصراع دائم، فإن موقعه داخل الحسابات الأمريكية سيخضع لإعادة تقييم، ولو تدريجية.
فلسطين كساحة كسر الهيمنة
لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف إنساني أو نزاع إقليمي، بل أصبحت ساحة اختبار لصدقية الخطاب الغربي كله. كل مجزرة، وكل انحياز، وكل فيتو، يعمّق الفجوة بين ادعاءات القيم الغربية وممارساتها الفعلية، ويغذي حالة الرفض الشعبي المتصاعدة داخل المجتمعات الغربية ذاتها.
وهذا ما يجعل المعركة طويلة، لكنها ليست خاسرة. فالصراع الحقيقي لم يعد على “موقف” واشنطن، بل على قدرتها على الاستمرار في فرض روايتها بالقوة.
ويخلص المراقبون إلى أن الطريق ليس في انتظار صحوة أخلاقية أمريكية، ولا في استجداء توازن مفقود، بل في استنزاف المعادلة ذاتها التي جعلت من الكيان أداة للهيمنة.
ومع تغير موازين القوى، وتآكل النفوذ الغربي، يصبح الصبر الاستراتيجي والتراكم الواعي هو الخيار الوحيد القادر على إحداث التحول. فالرهان لم يعد على تغيير الموقف الأمريكي، بل على تغيير العالم الذي أنتج هذا الموقف.





