الاعتقالات السياسية تتواصل في الضفة لتكميم الشارع والتغول على القضاء

تتجدد الانتقادات الحادة الموجهة إلى السلطة الفلسطينية بسبب استمرار سياسة الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية، في وقت تتصاعد فيه الأزمات الداخلية والاحتقان الشعبي على خلفية ملفات معيشية وسياسية شائكة.
وقد اتهم منسق المؤتمر الشعبي “14 مليون” والناشط السياسي عمر عساف السلطة الفلسطينية باللجوء المنهجي إلى الاعتقال السياسي كلما واجهت أزمة داخلية، معتبراً أن هذه السياسة باتت أداة ثابتة للسيطرة على الشارع وقمع الأصوات المعارضة.
وقال عساف في تصريح صحافي إن ممارسات أجهزة أمن السلطة “تعكس تغولاً خطيراً للسلطة التنفيذية على القضاء، وتكشف عن غياب حقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات”، مشيراً إلى أن الاعتقالات السياسية لم تكن يوماً استثناءً أو رد فعل مؤقت، بل نهجاً متواصلاً لم يتوقف في أي مرحلة، مهما تغيّرت الحكومات أو تبدلت الشعارات المعلنة.
وأوضح أن السلطة، كلما واجهت أزمة داخلية أو تصاعداً في الغضب الشعبي، تلجأ إلى أدوات القمع الأمني بدل البحث عن حلول سياسية واقتصادية جادة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
أبرز عساف أن ملفات حساسة، مثل أزمة المعلمين، وعدم دفع الرواتب، وتراجع الأوضاع المعيشية، غالباً ما تقابل بتصعيد في الاعتقالات السياسية، في محاولة لاحتواء الشارع بالقوة بدل الاستجابة لمطالبه.
وأشار إلى أن الشارع الفلسطيني يعيش حالة احتقان متزايدة في ظل تراكب الأزمات، وعلى رأسها أزمة رواتب الأسرى، وما أثارته من جدل واسع وغضب شعبي، إضافة إلى الجدل الكبير حول قانون الانتخابات الجديد، الذي يواجه معارضة شعبية واسعة بسبب ما يعتبره كثيرون قانوناً إقصائياً يكرس احتكار القرار ويغلق المجال أمام التعددية السياسية.
وحذّر عساف من أن استمرار العمل بقانون الانتخابات بصيغته الحالية، إلى جانب النهج الأمني السائد، سيدفع أجهزة السلطة إلى اتخاذ “إجراءات غير مقبولة وغير شرعية”.
أكد أن هذه السياسات تواجه رفضاً متنامياً من شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، الذي بات يرى في الاعتقال السياسي وسيلة لإسكات المعارضة لا لحماية النظام العام.
السلطة تتجاهل قرارات القضاء
وفي واحدة من أخطر الاتهامات، كشف عساف أن القضاء الفلسطيني أصدر نحو 120 قرار إفراج بحق معتقلين سياسيين محتجزين لدى أجهزة أمن السلطة، إلا أن هذه الأجهزة ترفض تنفيذ تلك القرارات.
واعتبر أن هذا السلوك يشكل “تغولاً فاضحاً على القضاء وانتهاكاً صارخاً لمبدأ سيادة القانون”، ويؤكد أن السلطة التنفيذية باتت تتعامل مع الأحكام القضائية بانتقائية، تنفذ ما يناسبها وتتجاهل ما يتعارض مع مصالحها الأمنية والسياسية.
وأكد عساف أن ما يجري يعكس سيطرة شبه كاملة للسلطة التنفيذية على باقي السلطات، التشريعية والقضائية، ما أدى عملياً إلى مصادرة الحياة السياسية، وإفراغ المؤسسات من دورها الرقابي، وتحويل القرار الوطني إلى قرار محصور بيد جهة واحدة.
وأضاف أن هذا الواقع ينسف أي حديث عن إصلاح سياسي أو شراكة وطنية، ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والسلطة.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل تصاعد تقارير حقوقية محلية ودولية توثق استمرار الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية، بما في ذلك اعتقال نشطاء، وطلبة، وصحافيين، وأسرى محررين، على خلفية آرائهم السياسية أو نشاطهم السلمي.
وتشير هذه التقارير إلى أن كثيراً من المعتقلين يُحتجزون دون أوامر قضائية واضحة، أو يُعاد اعتقالهم بعد الإفراج عنهم، في ما يشبه سياسة “الباب الدوار”.
ويرى مراقبون أن استمرار الاعتقالات السياسية لا يفاقم فقط حالة الاحتقان الداخلي، بل يضعف الجبهة الداخلية في وقت يواجه فيه الفلسطينيون تحديات مصيرية، في مقدمتها تصاعد العدوان الإسرائيلي، وتوسع الاستيطان، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ويؤكد هؤلاء أن قمع الحريات لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحوار، ولا وسيلة لمعالجة الأزمات المتراكمة.
ويحذر ناشطون من أن تجاهل قرارات القضاء، واستمرار الاعتقالات السياسية، قد يقود إلى مزيد من الانفجار الاجتماعي، ويقوض ما تبقى من شرعية المؤسسات الرسمية.
كما يرون أن الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين، واحترام أحكام القضاء، ووقف الملاحقة على خلفية الرأي والانتماء السياسي، تمثل خطوات أساسية لإعادة بناء الثقة، وفتح أفق سياسي حقيقي يقوم على الشراكة والتعددية.
وفي ختام تصريحاته، شدد عمر عساف على أن الاعتقال السياسي “لن ينجح في إسكات الشارع أو إلغاء المعارضة”، مؤكداً أن الحل يكمن في احترام الحريات العامة، والعودة إلى المسار الديمقراطي، ووقف استخدام الأجهزة الأمنية كأداة لإدارة الأزمات الداخلية.




