تحليلات واراء

مرتزقة شبكة أفيخاي.. استغلال ممنهج لمعاناة الغزيين بوصفات الإذلال النفسي

يتفنن مرتزقة شبكة أفيخاي يومًا بعد يوم في استغلال احتياجات سكان قطاع غزة المحاصرين، عبر منشورات تطلب منهم كتابة أسمائهم وتفاصيلهم الشخصية مقابل وعود مالية لا تلبث أن تتبخر، تاركة وراءها مزيدًا من الإذلال والإحباط.

ويعمد هؤلاء المرتزقة على نشر منشورات لافتة، صياغتها بسيطة لكنها محمولة على الإغراء: “اكتب اسمك وسنساعدك… شارك بياناتك للحصول على مبلغ مالي… اذكر التفاصيل ليتواصل فريقنا معك”.

ومع اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي وتراجع شبكات الدعم الإنساني، يجد كثير من أهل غزة أنفسهم أمام إغراء خطير يختلط فيه اليأس بالأمل. فالوعد بمئة أو مئتي دولار حتى لو كان وهمًا يصبح لدى البعض فرصة لا تُفوَّت وسط الانهيار الاقتصادي الشامل.

لكن ما إن يقدّم المتابعون بياناتهم مثل أسماءهم، عناوينهم، عائلاتهم، حتى يتحوّل الوعد إلى سراب فلا مساعدات تصل، ولا تواصل يتم، ولا مبالغ مالية تُرسل.

كل ما يحدث أنّ منشورات تلك الحسابات تحصد تفاعلات قياسية عبر آلاف التعليقات، ليكتشف السكان أنهم كانوا مجرد وقود لآلة دعاية تستمتع بإيهامهم ثم تركهم في العراء.

وتدلّ طريقة صياغة هذه المنشورات وأساليب مخاطبتها للناس على هدف يتجاوز “جمع التفاعل” في عملية إذلال نفسي ممنهج.

فحين يضطر ربّ الأسرة أو الأم أو الشاب إلى كتابة اسمه علنًا أمام آلاف المتابعين، مرفقًا بتفاصيل شخصية في لحظة ضعف إنساني، يكون قد وقع في الفخّ النفسي الذي صُمّم خصيصًا لتقويض كرامته.

فالاحتلال يدرك أن كسر المعنويات يتم أحيانًا من خلال صورة وتعليق ومنشور بقدر ما يتم عبر الصواريخ والدبابات.

وبحسب مراقبين فإن الدعاية هنا مزدوجة، من جهة تظهر أدوات الاحتلال نفسها كـ“طرف يقدم المساعدة”، ومن جهة أخرى تلمّح إلى أنّ المقاومة هي المسؤولة عن حرمان الشعب منها وذلك لإعادة تشكيل الوعي.

شبكة أفيخاي ويكيبيديا

يتحرك مرتزقة شبكة أفيخاي ضمن منظومة متكاملة تستثمر في الفقر والانهيار الاجتماعي في قطاع غزة. فهم ليسوا ناشطين ولا “وسطاء خير”، بل مرتزقة رقميون يحصلون على مكاسب من تضخيم منصاتهم وإظهار قدرتهم على “التواصل مع الناس” وتجيير معاناتهم لصالح ماكينة سياسية واضحة المعالم.

والوعود التي يقدمها هؤلاء أدوات لإنتاج تفاعل هائل يرفع من حضور هذه الحسابات في خوارزميات المنصات، وهنا يصبح الغزي دون قصد شريكًا في تكريس دعاية الاحتلال وتوسيع انتشارها، فقط لأنه يبحث عن وسيلة لإنقاذ أسرته.

وفي كل منشور تقريبًا، يتم تمرير رسائل سياسية مبطنة مثل لوم المقاومة على الوضع المعيشي وتصوير الاحتلال كجهة “تهتم بحياة المدنيين” والتلميح بأن الحلول لن تأتي إلا عبر التطبيع الإعلامي والتواصل المباشر مع “الجهات الإسرائيلية”.

ويعد ذلك جزء من هندسة متعمدة تستهدف خلق فجوة بين المقاومة وأهالي القطاع، خاصة في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية. لكن واقع الأمر أن هذه الحسابات نجحت مؤقتًا فقط في استغلال الحاجة، لكنها فشلت في تشكيل رواية واسعة، بسبب الوعي الشعبي المتزايد بممارسات الاحتلال على الأرض.

ولذلك، يتصاعد اليوم خطاب شعبي فلسطيني يحذّر من التعاطي مع هذه الحسابات ويعتبرها امتدادًا لعمليات التجسس والتأثير النفسي، ويطالب برفع الوعي الرقمي لمواجهة هذه الحملات ومنع محاولة لصناعة صورة مزيفة للاحتلال وتوجيه الإحباط الشعبي نحو المقاومة، عبر أساليب تخاطب القهر والاحتياج أكثر مما تخاطب العقل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى