ظاهرة الترويج لانتصارات الاحتلال: حرب نفسية بأدوات إعلامية

رصدت جهات إعلامية وحقوقية خلال الأشهر الأخيرة تصاعد نشاط حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي يديرها أشخاص من خارج الأرض الفلسطينية المحتلة، تقوم بشكل ممنهج بالترويج لانتصارات الاحتلال، بالتوازي مع بث رسائل تهديد وسخرية موجهة إلى شعب يخضع لاحتلال عسكري مباشر بما يثير تساؤلات جدية حول طبيعته ووظيفته وأهدافه.
وبحسب متابعين، لا يمكن توصيف هذا السلوك باعتباره مجرد تعبير عن رأي سياسي مخالف أو اجتهاد تحليلي، إذ يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج خطاب الاحتلال حرفيًا، ونقله إلى الفضاء العربي دون تفكيك أو مساءلة أو نقد، ما يحوّل هذه الحسابات عمليًا إلى أدوات مساندة للحرب النفسية والدعاية الموجهة ضد مجتمع واقع تحت السيطرة العسكرية.
حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة
تشير مراجعة المحتوى المنشور عبر هذه الحسابات إلى أن نشاطها يتسم بعدة سمات ثابتة أبرزها تضخيم تصريحات قادة الاحتلال العسكريين والأمنيين، وتقديمها باعتبارها وقائع نهائية أو مؤشرات حتمية على «الهزيمة» أو «الانكسار»، دون التطرق إلى السياق الميداني أو التناقضات الداخلية في خطاب الاحتلال نفسه.
كما تعتمد هذه الحسابات على بث رسائل تهديد مبطنة أو مباشرة، غالبًا بلغة ساخرة أو تهكمية، تستهدف معنويات المدنيين، وتعمل على تكريس الشعور بالعجز واليأس.
ويُلاحظ كذلك التركيز المكثف على التشكيك بجدوى المقاومة، وربطها بصورة حصرية بمعاناة السكان، مع تجاهل البنية الأساسية للصراع بوصفه صراعًا مع قوة احتلال.
وتكشف مصادر إعلامية أن جزءًا من هذا النشاط يتزامن بشكل لافت مع حملات تضليل منظمة، تُطلق عقب عمليات ميدانية أو أحداث كبرى، ما يرجّح وجود تنسيق غير مباشر على الأقل، سواء عبر مشاركة مواد إعلامية جاهزة أو إعادة تدوير مضامين صادرة عن منصات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية للاحتلال.
شبكة أفيخاي ويكيبيديا
يؤكد مختصون في الإعلام السياسي أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في مضمون الرسائل، بل في موقع صدورها، فكون الخطاب يصدر من خارج الأرض المحتلة، ومن داخل الفضاء الثقافي أو اللغوي القريب من الضحية، يمنحه قدرة أعلى على الاختراق والتأثير مقارنة بخطاب الاحتلال الصادر مباشرة عن مؤسساته الرسمية.
ويشير هؤلاء إلى أن نقل خطاب العدو كما هو، دون تفكيك أو مساءلة، لا يمكن تصنيفه ضمن العمل الإعلامي أو التحليلي، بل يندرج ضمن التوظيف الدعائي، خصوصًا حين يتم تقديم الرواية العسكرية للاحتلال بوصفها حقيقة موضوعية، في مقابل تصوير رواية الضحية باعتبارها وهمًا أو إنكارًا للواقع.
ويرى خبراء أن الهدف المركزي لهذا النشاط يتمثل في إضعاف الروح المعنوية للمجتمع الواقع تحت الاحتلال، عبر خلق شعور دائم بالهزيمة، حتى في لحظات الصمود أو الفعل الميداني. كما يسعى هذا الخطاب إلى تمرير رواية الاحتلال إلى البيئة العربية، وتطبيع مفاهيم التفوق العسكري والهيمنة بوصفها قدرًا لا يمكن تغييره.
إلى جانب ذلك، يعمل هذا الدور على تحويل الصراع من مواجهة مع قوة احتلال إلى نزاع داخلي في الوعي الشعبي، حيث يصبح الجدل موجّهًا نحو جلد الذات واتهام الضحية بدل مساءلة الجهة المحتلة. ويؤدي هذا المسار إلى إرباك الحدود بين النقد السياسي المشروع، الذي يُعد حقًا أساسيًا، وبين الدعاية المعادية التي تخدم أهداف الاحتلال.
توصيف قانوني وإعلامي
من منظور مهني، يصنّف خبراء هذا السلوك ضمن إطار الدعاية المعادية (Propaganda)، أو الحرب النفسية الرقمية، أو ما يُعرف إعلاميًا بـ«الطابور الإعلامي الخامس»، أي الفاعلين الذين يخدمون رواية القوة المحتلة من داخل الفضاء الثقافي نفسه للشعب المستهدف، سواء بدافع أيديولوجي أو مصلحي أو بحثًا عن التأثير والانتشار.
ويؤكد مختصون أن هذا التوصيف لا يستهدف قمع الرأي أو تقييد حرية التعبير، بل يميّز بين النقد المستند إلى معايير مهنية واضحة، وبين إعادة إنتاج خطاب قوة احتلال بما يخدم أهدافها النفسية والسياسية.
وتؤكد هذه الظاهرة أن الصراع لم يعد ميدانيًا فقط، بل أصبح معركة مركبة على الوعي والرواية. ففي الوقت الذي يخضع فيه شعب لاحتلال عسكري مباشر، تُستخدم منصات التواصل كسلاح موازٍ لتقويض معنوياته وتشويه نضاله، عبر أصوات تصدر من خارج أرضه لكنها تعمل ضمن إطار يخدم خطاب خصمه.
ويرى مراقبون أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وتعزيز القدرة على التمييز بين النقد السياسي الحر والدعاية المعادية، وعدم السماح بتحويل منصات التواصل إلى قنوات لنقل خطاب الاحتلال إلى الضحية نفسها دون تفكيك أو مساءلة أو سياق.





