تحليلات واراء

أزمة سلطة بلا شرعية: تحذيرات من انهيار الدور الفلسطيني في أخطر المراحل

تكشف تصريحات القيادي في حركة فتح سفير فلسطين السابق لدى مصر نبيل عمرو، عن مستوى غير مسبوق من القلق داخل أوساط النخبة الفلسطينية إزاء وضع السلطة الفلسطينية، في لحظة توصف بأنها أخطر المراحل التي تواجه القضية الفلسطينية.

ويعكس توصيف عمرو بأن السلطة “غير قادرة على قيادة أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية” تراكماً طويلاً من الأزمات البنيوية التي أفقدت السلطة قدرتها على الفعل السياسي والوطني.

وتتمثل الأزمة الأولى للسلطة في غياب الشرعية، إذ منذ أكثر من عقد ونصف، لم تشهد الساحة الفلسطينية انتخابات رئاسية أو تشريعية.

وتعطّل آليات التداول الديمقراطي للسلطة حوّل المؤسسات إلى هياكل شكلية، وأضعف ثقة الشارع الفلسطيني في قدرة السلطة على تمثيله. هذا الفراغ الشرعي جعل أي قرار سياسي كبير عرضة للطعن، سواء داخليًا أو خارجيًا، وقيّد قدرة القيادة على المناورة في المحافل الدولية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تتعلق الأزمة الثانية بالانقسام السياسي والجغرافي، حيث أن استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة تحوّل إلى واقع بنيوي يُدار بمنطق الأمر الواقع.

فالسلطة لا تملك أي نفوذ فعلي في غزة، بينما تعاني في الضفة من تآكل سلطتها أمام الاحتلال الإسرائيلي، سواء عبر الاقتحامات اليومية أو تقويض صلاحياتها الأمنية والمدنية وهو ما أضعف أي ادعاء بوجود “سلطة وطنية” جامعة، وحوّلها عمليًا إلى إدارة محلية محدودة الصلاحيات.

أما الأزمة الثالثة، فتتعلق بـ تراجع الأداء المؤسسي، حيث خلال السنوات الماضية، تحوّلت مؤسسات السلطة إلى أجهزة بيروقراطية مثقلة بالعجز المالي، وضعف الكفاءة، وغياب المساءلة.

وجعل الاعتماد شبه الكامل على التمويل الخارجي المشروط القرار السياسي مرتهنًا لحسابات المانحين، بينما أدى تراجع الإيرادات، واحتجاز أموال المقاصة، إلى أزمة رواتب متكررة أفقدت السلطة أحد أهم أدوات الاستقرار الداخلي.

سلطة رام الله بدون شرعية

تأتي إشارة نبيل عمرو إلى وجود “نافذة سياسية نادرة” على المستوى الدولي.

وترتبط هذه النافذة بتغيرات متسارعة في البيئة الدولية، وتصاعد الضغوط على دولة الاحتلال على خلفية الحرب في غزة، واتساع دائرة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى عودة الحديث عن تسوية سياسية.

غير أن هذه اللحظة، وفق عمرو، لا يمكن استثمارها بسلطة تعاني من أزمة تمثيل وفقدان ثقة شعبها.

والمشكلة الأساسية أن السلطة، بصيغتها الحالية، غير مؤهلة لالتقاط الفرص. فغياب رؤية سياسية موحدة، واستمرار إدارة الأزمة بدل حلها، جعلا السلطة في موقع المتلقي لا الفاعل.

وحتى التحركات الدبلوماسية، التي يُفترض أن تكون أحد أهم أدواتها، باتت محدودة التأثير في ظل غياب غطاء شعبي ومؤسساتي قوي.

وتحذير عمرو من أن الفشل في الإصلاح قد يؤدي إلى “إدارة الأزمة الفلسطينية من الخارج” يحمل دلالة خطيرة. فالمشهد الإقليمي والدولي يشهد محاولات متزايدة لإعادة صياغة القضية الفلسطينية بعيدًا عن التمثيل الفلسطيني الحقيقي، سواء عبر مبادرات تتجاوز منظمة التحرير، أو عبر ترتيبات أمنية واقتصادية تُفرض تحت عنوان “الاستقرار” و“إعادة الإعمار”.

وفي ظل سلطة ضعيفة ومنقسمة، تصبح هذه السيناريوهات أكثر قابلية للتحقق.

وإعادة بناء الشرعية، التي يضعها عمرو في صدارة الأولويات، لا تعني فقط إجراء انتخابات، بل تتطلب إعادة تعريف وظيفة السلطة نفسها. هل هي أداة لإدارة الاحتلال، أم مرحلة انتقالية نحو الاستقلال؟ هذا السؤال ظل معلقًا منذ سنوات، ومع غياب الإجابة الواضحة، تحوّلت السلطة إلى كيان عالق بين وظيفتين، غير قادر على أداء أي منهما بكفاءة.

كما أن تجديد النظام السياسي يتطلب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تآكل دورها لحساب السلطة، رغم أنها الإطار التمثيلي المعترف به دوليًا.

ومن دون إصلاح حقيقي للمنظمة، وإشراك القوى الفلسطينية كافة، ستبقى أي عملية إصلاح ناقصة، وعرضة للانهيار عند أول اختبار.

في المحصلة، تعكس تصريحات نبيل عمرو إدراكًا متأخرًا لحجم المأزق الذي وصلت إليه السلطة الفلسطينية في ظل أزمة مشروع وشرعية وتمثيل.

ومع تسارع الأحداث إقليميًا ودوليًا، فإن استمرار الوضع القائم لا يعني الجمود، بل الانزلاق نحو تهميش متزايد للدور الفلسطيني، وتحويل القضية إلى ملف يُدار من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى