تحليلات واراء

الاستيطان يُبنى بأيدٍ مقاولين محليين والسلطة تتواطأ بالصمت المطبق

لا يقتصر مشهد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية على جرافات الاحتلال ومعداته بل يمتد إلى مشاركة مقاولين محليين يعملون كأدوات تنفيذ مباشرة للمشروع الاستيطاني تحت نظر السلطة الفلسطينية وبتواطؤ صامت من مؤسساتها الرسمية.

فجزء كبير من البنية التحتية للاستيطان—من الطرق الالتفافية، إلى تسوية التلال، إلى اقتلاع آلاف أشجار الزيتون—يُنفَّذ اليوم بواسطة مقاولين فلسطينيين معروفين، تعمل معداتهم الثقيلة بعلامات “نمر ضفة” المكشوفة، وعلى مرأى من الجميع.

وكل من يمر على الطرق الالتفافية في الضفة الغربية يمكنه أن يرى المشهد بوضوح حيث آليات فلسطينية، وسيارات مقاولين فلسطينيين، وأيدٍ فلسطينية تُسخَّر لتدمير الأرض الفلسطينية خدمة لمشروع استيطاني استعماري إحلالي.

ورغم هذا الانكشاف الفاضح، لم تحرّك وزارة الحكم المحلي ولا وزارة الاقتصاد ساكنًا ولم تُسحب تراخيص لم يُلغَ اعتماد أي مقاول، ولم تُفرض عقوبات، ولم تُنشر قوائم سوداء تمنع التعامل مع المتورطين في خدمة الاستيطان.

حتى الحد الأدنى من الإجراءات—الذي يُفترض أنه “أضعف الإيمان”—لم يُتخذ. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالإهمال، بل هو خيار سياسي واضح.

السلطة كواجهة ناعمة للضم

تواصل السلطة الفلسطينية سياسة الصمت والتخاذل إزاء التسارع الخطير للاستيطان وهجمات المستوطنين، بل وتوفّر عمليًا غطاءً سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا لواحد من أخطر مشاريع الاحتلال: ابتلاع الضفة الغربية وفرض التهجير القسري على سكانها الأصليين.

فبدل أن تكون السلطة خط الدفاع الأول عن الأرض والشعب، تحوّلت—بفعل سياساتها وخياراتها—إلى واجهة ناعمة للتمدّد الاستيطاني، وأداة وظيفية تُسهّل على الاحتلال تنفيذ مخططاته بأقل كلفة ممكنة، عبر التنسيق الأمني، وقمع المقاومة، وغضّ الطرف عن شبكات فلسطينية متورطة بشكل مباشر في خدمة المشروع الاستيطاني.

التنسيق الأمني: العمود الفقري للاستيطان

لم تعد سياسة التنسيق الأمني مجرد بند خلافي أو “ضرورة سياسية” كما تُسوّقها السلطة، بل أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية التي يستند إليها الاستيطان.

فمنع أي شكل من أشكال المقاومة في الضفة الغربية، وملاحقة المقاومين، وتجفيف البيئة الشعبية الحاضنة لهم، خلق فراغًا أمنيًا استغله المستوطنون لتكثيف اعتداءاتهم: إحراق المنازل، اقتلاع الأشجار، اقتحام القرى، شق الطرق بالقوة، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

في المقابل، لم تُسجل أي مواجهة جدية من أجهزة السلطة لهذه الاعتداءات، ولا أي تحرك ميداني لحماية القرى المستهدفة وهو ما عزز قناعة راسخة لدى المستوطنين بأنهم يعملون في بيئة آمنة، وأن يد الاحتلال هي الوحيدة المسموح لها باستخدام القوة، بينما يُطلب من الفلسطيني الأعزل “ضبط النفس” وانتظار بيانات الشجب.

صمت رسمي… وتطبيع داخلي

يرى مراقبون أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن نهج سياسي أوسع يقوم على تجريم المقاومة وتطبيع الواقع الاستيطاني باعتباره “أمرًا واقعًا”.

فعندما تُلاحق خلايا المقاومة، وتُمنع الفعاليات الشعبية، ويُجرَّم الاشتباك مع المستوطنين، بينما يُترك المقاول المتورط في شق طريق استيطاني دون مساءلة، فإن الرسالة تصبح واضحة: الخطر ليس الاستيطان، بل من يعارضه.

بهذا المعنى، تتحول السلطة من كيان يفترض أنه يدير شؤون شعب تحت الاحتلال، إلى جهاز ضبط داخلي مهمته حماية الاستقرار المطلوب إسرائيليًا، حتى لو كان الثمن اقتلاع الزيتون، تهجير القرى، وتفكيك أي قدرة على المقاومة الشعبية أو المسلحة.

تمكين الاستيطان بدل مواجهته

يؤكد المراقبون أن غياب أي سياسة عقابية أو ردعية بحق الفلسطينيين المتورطين في دعم الاستيطان لا يُفسَّر بالعجز الإداري، بل يعكس خيارًا سياسيًا واعيًا يقوم على تجنّب الصدام مع الاحتلال بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الأرض والوجود الفلسطيني نفسه.

في ظل هذا الواقع، يشعر المستوطن أن الطريق مفتوح: حماية عسكرية إسرائيلية، صمت رسمي فلسطيني، ومقاول محلي جاهز للتنفيذ.

ويشعر المقاول المتورط أن أرباحه محمية، وأن لا مساءلة وطنية أو قانونية ستطال عمله، طالما أن السلطة تفضّل إدارة الأزمة بدل مواجهتها.

الضفة تُبتلع… والسلطة تتفرّج

ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس تمددًا استيطانيًا عشوائيًا، بل مشروع ضمّ تدريجي تُرسم خرائطه بالجرافات، وتُفرض وقائعه بالقوة، ويُستكمل بالصمت والتخاذل.

وفي هذا المشهد، لا تبدو السلطة عاجزة فقط، بل شريكًا غير مباشر يسهّل المهمة عبر سياساته وخياراته.

وبحسب المراقبين فإن استمرار هذا النهج يعني شيئًا واحدًا هو المزيد من المستوطنات، والمزيد من الطرق الالتفافية، والتهجير القسري إلى جانب تآكل ما تبقّى من الضفة الغربية.

أما المقاومة التي تحاصَر وتجرم فهي وحدها التي تُدرك أن الأرض لا تُحمى بالبيانات، ولا بالرهان على وهم “عملية سياسية” ماتت منذ زمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى