من مشروع تحرر إلى ملف إعانة: كيف تُفرغ السلطة الفعل الوطني من معناه؟

تتجه السلطة الفلسطينية نحو مسار بالغ الخطورة يتمثل في تفريغ الفعل الوطني من مضمونه، وإعادة تصنيفه بوصفه عبئًا ماليًا يمكن تقليصه أو “إدارته” بدل اعتباره جوهر المشروع التحرري الفلسطيني.
وبات هذا التحول يظهر بوضوح في السياسات العملية، وعلى رأسها قرار تحويل مخصصات الأسرى وذوي الشهداء إلى ما يُعرف بـ“مؤسسة تمكين”، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات.
ووصف عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، سمير أبو مدللة، القرار بأنه “سياسي بامتياز”، مؤكدًا أنه لا يمكن التعامل معه كإجراء إداري أو مالي محايد.
وقال أبو مدللة في تصريحات له، إن هذه الخطوة تعكس تحولًا مقلقًا في تعريف التضحية الوطنية، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع الفلسطيني، محذرًا من آثارها العميقة على الوعي الجمعي ومكانة الشهداء والأسرى في الوجدان الوطني.
وأوضح أن نقل ملف الشهداء والأسرى من موقع الاستحقاق الوطني والقانوني إلى خانة “الحالة الاجتماعية” يشكل مساسًا مباشرًا بجوهر القضية الفلسطينية.
وشدد على أن الشهداء والأسرى، بحسب الرؤية الوطنية الجامعة، ليسوا فئة محتاجة للرعاية الاجتماعية، بل هم عنوان للتضحية ومكوّن أساسي من مكونات النضال الوطني. تحويلهم إلى ملف إنساني يُدار بلغة الاحتياج والمعونة، يعني – عمليًا – إعادة هندسة المفاهيم الوطنية بما ينسجم مع ضغوط سياسية ومالية خارجية.
وحذّر أبو مدللة من أن هذا المسار لا يهدد فقط حقوق عائلات الشهداء والأسرى، بل يضرب الأساس الرمزي الذي قام عليه المشروع الوطني الفلسطيني، ويُضعف الرابط الأخلاقي بين المجتمع وخياراته النضالية، لصالح خطاب “الاستدامة المالية” و”الامتثال للشروط الدولية”.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
رأى المحلل السياسي هاني المصري أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن مأزق بنيوي أعمق يمر به المشروع الوطني الفلسطيني ككل، معتبرا أن الحركة الوطنية الفلسطينية وصلت إلى حالة انهيار فعلي بعد عقود طويلة من النضال، لم تُترجم إلى إنجازات وطنية حقيقية على مستوى التحرر أو السيادة أو حتى بناء مرجعية سياسية موحدة.
وأشار المصري إلى أن أخطر ما يجري اليوم هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى “ملف إنساني وإغاثي”، تُدار من خلاله خطط دولية ووصايات خارجية تتجاوز التمثيل الفلسطيني، وتُفرغ السياسة من مضمونها.
وحذّر من أن إدارة الأزمة، مهما كانت “مهنية” أو “منظمة”، لا يمكن أن تكون بديلًا عن معالجة جذور الصراع، المتمثلة في الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.
وأكد المصري أن تحويل نضال شعب كامل إلى أرقام في موازنات وتقارير مانحين، يفتح الباب أمام إعادة تعريف الفلسطيني كـ”متلقٍ للمساعدة” بدل كونه صاحب قضية وحقوق سياسية غير قابلة للتصرف.
وهذا التحول، بحسب قوله، يخدم عمليًا الرواية الإسرائيلية التي تسعى منذ سنوات إلى نزع الطابع السياسي عن القضية الفلسطينية، وحصرها في أبعاد إنسانية ومعيشية.
وشدد المصري على أن الخروج من هذا المأزق يتطلب مراجعة نقدية شجاعة للتجربة الفلسطينية برمتها، تبدأ بالاعتراف بحجم الفشل، ولا تنتهي عند إعادة بناء المشروع الوطني على أسس واضحة. \
وهذه الأسس، كما يقول، يجب أن تقوم على وحدة وطنية حقيقية، ورؤية سياسية جامعة، وإعادة تعريف المقاومة كوسيلة لتحقيق أهداف وطنية محددة، لا كغاية بذاتها ولا كعبء يجب التخلص منه.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن قرار تحويل مخصصات الشهداء والأسرى ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي تعكس انتقال السلطة من موقع “القيادة السياسية” إلى دور “الإدارة الوظيفية”، حيث تُقاس الخيارات الوطنية بمدى قبولها دوليًا وقدرتها على تخفيف الضغوط المالية، لا بمدى انسجامها مع تطلعات الشعب الفلسطيني.
ويحذر هؤلاء من أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من الثقة بين الشارع الفلسطيني ومؤسساته الرسمية، وسيعمّق الفجوة بين خطاب التضحية الذي لا يزال حيًا في الوعي الشعبي، وسياسات رسمية تتعامل مع هذا الخطاب باعتباره عبئًا يجب “إدارته” أو “احتواؤه”.
وعليه تبدو القضية الفلسطينية أمام مفترق حاسم: إما استعادة معناها كقضية تحرر وطني، تُصان فيها رمزية الشهداء والأسرى بوصفهم عماد النضال، أو الانزلاق أكثر نحو نموذج “الملف الإنساني”، حيث تُفرغ السياسة من محتواها، ويُختزل الفعل الوطني في أرقام وموازنات، وتُختزل التضحيات في بنود قابلة للحذف والمراجعة.





