تحليلات واراء

سلاح المقاومة في صدارة الجدل الإعلامي: نقاش مُضلل لتبرير استمرار الحرب على غزة

يتصاعد في الأسابيع الأخيرة الجدل الإعلامي حول سلاح المقاومة في قطاع غزة، في وقتٍ ما تزال فيه حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية مستمرة عمليًا بأشكال مختلفة، ويواصل القطاع دفع أثمان إنسانية كارثية.

ويأتي هذا التركيز، بحسب محللين، بوصفه تحويلًا متعمّدًا لبوصلة النقاش بعيدًا عن القضايا الجوهرية المرتبطة بوقف حرب الإبادة ومنع تكرارها فضلا عن مطالب رفع الحصار وإعادة الإعمار.

ويرى المحللون أن فرض ملف السلاح على أجندة الرأي العام في هذه المرحلة يشكّل سلوكًا سياسيًا وإعلاميًا مضللًا، لأن الواقع على الأرض لا يشير إلى أي تقدم في متطلبات وقف العدوان.

إذ لا مساعدات إنسانية كافية تدخل غزة، ولا بنية تحتية أُعيد تأهيلها، ولا قوات دولية انتشرت لحماية المدنيين، ولا معابر فُتحت بشكل مستقر، بينما يستمر القتل والتدمير بأشكال مباشرة وغير مباشرة.

وبحسب المراقبين، فإن جعل سلاح المقاومة محور النقاش بعد حرب إبادة أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني يتجاهل التسلسل المنطقي لأي حل سياسي، باعتبار أن السلاح يُطرح كقضية أولى وأخيرة، في حين تغيب القضايا التي تُعدّ شروطًا مسبقة لأي استقرار، وعلى رأسها وقف العدوان، ورفع الحصار، وضمان عدم عودة الحرب.

كما يبرز في هذا السياق أن التعامل مع غزة بوصفها مادة للتحليل السياسي الموجَّه، بدل النظر إليها كقضية إنسانية وأخلاقية عاجلة، يعكس محاولة منظمة لإعادة إنتاج الأزمة.

فبدل البحث في سبل منع عودة الحرب وتعزيز دور الوسطاء والضامنين، يُعاد تدوير النقاش حول “نزع السلاح” كذريعة لتبرير استمرار العقوبات الجماعية وبقاء القطاع في حالة شلل دائم.

حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة ويكيبيديا

يحدد المحلل السياسي من رام الله هاني المصري مسارين أساسيين يجري الدفع بهما سياسيًا بشأن الجدل المرتبط بسلاح المقاومة والضغط الإسرائيلي والأمريكي لنزعه.

ويتمثل المسار الأول في استخدام الإعمار كسلاح سياسي، عبر ربط أي عملية إعادة بناء بشرط نزع السلاح وترتيبات أمنية تُبقي السيطرة الفعلية بيد الاحتلال ليتحول الإعمار من حق إنساني إلى أداة ابتزاز، ويُستخدم كوسيلة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.

أما المسار الثاني، فيقوم على الرهان على عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بصيغتها الحالية.

ويرى المصري أن هذا الطرح يتجاهل واقع السلطة نفسها، التي تتعرض لتقويض ممنهج في الضفة الغربية، وتتحول تدريجيًا إلى كيان بلا صلاحيات فعلية.

وفي هذا السياق، تُدفع السلطة إما إلى دور وظيفي يخدم أهداف الاحتلال، أو إلى الانهيار، تمهيدًا لاستبدالها بهياكل إدارية محلية معزولة، على غرار نموذج “اللجنة التكنوقراطية” الذي طُرح سابقًا لغزة.

ويؤكد المصري أن نيات حكومة بنيامين نتنياهو باتت واضحة بإبقاء الوضع الراهن مع التذرع الدائم بسحب السلاح، إلى حين استكمال فرض الحقائق على الأرض، من ضمٍّ وحسم وتهجير وتعميق نظام الفصل العنصري، وصولًا إلى تكريس مشروع “إسرائيل الكبرى”.

وقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية صراحة استعدادها لاستخدام القوة لنزع السلاح إذا لم يتم ذلك عبر ما تسميه “الوسائل الناعمة”، من دون أي استعجال، لأن استمرار الوضع الحالي يخدم استراتيجيتها بعيدة المدى.

في المقابل، يلفت المصري إلى غياب أي موقف أميركي ضاغط على دولة الاحتلال، فلم تُسجَّل إدانات جدية للخروقات الإسرائيلية، بل صدرت إشادات متكررة بما يوصف بـ”الإنجازات”، إلى جانب تركيز ثابت على ضرورة نزع سلاح غزة.

ويوفر هذا الموقف، وفق المصري، غطاءً سياسيًا مباشرًا لاستمرار العدوان، ويمنح دولة الاحتلال ضوءًا أخضر لإطالة أمد الأزمة.

ويحذّر المصري من أن الأخطر في هذا المسار هو مرور الشهور دون بدء تفاوض فعلي حول ملف السلاح، رغم إمكانية إدراجه مبكرًا ضمن ترتيبات أشمل بحيث يُستخدم هذا التأجيل المتعمد ذريعةً لاستمرار العقوبات الجماعية، والإبقاء على غزة كمنطقة غير قابلة للحياة سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا.

في المقابل، يشير إلى أن المقاومة الفلسطينية نفسها أبدت مرونة واضحة، عبر إعلان استعدادها لتنظيم السلاح، ووضعه لدى جهة صديقة، وقبول هدنة طويلة الأمد قد تمتد لعشر سنوات، يتم خلالها تجميد العمل المسلح في قطاع غزة وذلك في ضوء النتائج الكارثية للحرب، وبعد أن دفع سكان القطاع أثمانًا فاقت قدرتهم على الاحتمال.

ويخلص المصري إلى أن الإصرار على جعل سلاح المقاومة محور النقاش في هذه المرحلة لا يخدم وقف الحرب، بل يساهم في إدامتها، باعتبار أن المطلوب، إعادة توجيه الجهود نحو معالجة جذور الأزمة بمنع عودة العدوان، ضمان فتح المعابر، توفير حماية دولية، وتمكين مسار سياسي حقيقي، بدل الانشغال بذرائع تُستخدم لإطالة أمد المأساة في غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى