تحليلات واراء

دلالات دفع اللوبي اليهودي بالإمارات إلى صدارة مشهد غزة

تأتي الدعوات المتزايدة في واشنطن وتل أبيب لمنح دولة الإمارات دورًا مركزيًا في “اليوم التالي” لقطاع غزة بوصفها تطورًا سياسيًا بالغ الدلالة، لا يمكن فصله عن بنية التحالف الإماراتي–الإسرائيلي ولا عن حسابات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.

فالتصريحات الأخيرة للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، التي دعا فيها صراحة إلى أن تتولى الإمارات، مهمة “إعادة بناء غزة الجديدة” وجعلها “أشبه بدولة الإمارات”، تعبير مكثف عن رؤية متكاملة لإدارة غزة خارج سياقها الوطني الفلسطيني.

ويعد غراهام، أحد أبرز الأصوات المؤيدة في الولايات المتحدة لإسرائيل داخل الكونغرس.

وقدم غراهام في مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية تشخيصًا بأن دولة الاحتلال لا تستطيع احتلال غزة بنجاح، لكن البديل الذي يطرحه لا يقوم على إنهاء الاحتلال أو تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، بل على استقدام “نموذج عربي حليف” يتكفل بإعادة هندسة القطاع سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا.

هنا تحديدًا تبرز الإمارات بوصفها الخيار المفضّل لدى اللوبي اليهودي، لقدراتها المالية والأهم لانسجامها العميق مع الرؤية الإسرائيلية.

التطبيع الإماراتي الإسرائيلي ويكيبيديا

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020، تحوّلت أبوظبي إلى شريك استراتيجي لتل أبيب في ملفات تتجاوز الاقتصاد والتكنولوجيا إلى إعادة تشكيل الإقليم.

وقد بات هذا التحالف يُسوق علنًا كنموذج “سلام جديد” يقوم على تجاوز القضية الفلسطينية، أو بالأحرى إعادة تعريفها بوصفها مسألة إدارة سكانية وأمنية. وفي هذا السياق، تُقدَّم غزة اليوم كمختبر لهذا النموذج.

وبحسب مراقبين يخدم الدفع بالإمارات إلى صدارة المشهد في غزة عدة أهداف إسرائيلية متقاطعة. أولًا، نقل عبء إدارة القطاع من دولة الاحتلال إلى طرف عربي “مقبول دوليًا”، ما يخفف الضغوط القانونية والسياسية المترتبة على الاحتلال.

ثانيًا، توفير غطاء عربي لسياسات إعادة الهندسة الديمغرافية، بما في ذلك التهجير القسري أو “الهجرة الطوعية” التي يجري تسويقها بعبارات إنسانية واقتصادية.

وثالثًا، خلق سلطة أمر واقع معادية للمقاومة، تعمل على نزع سلاحها وتجفيف حاضنتها الاجتماعية تحت عناوين “إعادة الإعمار” و”نزع التطرف”.

وهنا تتقاطع المصالح الإماراتية مع الرؤية الإسرائيلية بشكل لافت. فالإمارات، التي بنت سياستها الإقليمية خلال العقد الأخير على معاداة الإسلام السياسي، تنظر إلى غزة – بما تمثله من رمز للمقاومة – باعتبارها عقدة يجب تفكيكها.

مؤامرات الإمارات في غزة

لا يبدو غريبًا أن تتردد تقارير عن استعداد أبوظبي لتمويل مشاريع “إعادة إعمار” مشروطة، أو مجمّعات سكنية مغلقة خاضعة لرقابة أمنية مشددة، أو برامج “إعادة تأهيل فكري” تستهدف المجتمع الغزي، وخاصة الأطفال، كما لمح غراهام صراحة حين تحدث عن “تعليم الأطفال التسامح بدل الكراهية”.

ويقوم هذا الخطاب، الذي يتبناه اللوبي اليهودي ويُعاد إنتاجه عربيًا، على قلب الحقائق، حيث المشكلة ليست في “ثقافة الكراهية” لدى الضحية، بل في واقع الاحتلال والحصار والقتل الجماعي.

غير أن تحميل المجتمع الغزي مسؤولية ما جرى يفتح الباب لتبرير سياسات الهندسة الاجتماعية، ويمنح الشريك العربي (أي الإمارات)، دور “المخلّص” الذي يعيد تشكيل الفلسطيني وفق مقاييس الاحتلال.

ومعروف أن الأدوار الإماراتية المشبوهة في غزة لا تقتصر على الجانب الخطابي. فقد أثيرت خلال الأشهر الماضية تساؤلات جدية حول طبيعة بعض الأنشطة الإنسانية واللوجستية، وحول قنوات الاتصال غير المعلنة مع أطراف إسرائيلية وأميركية معنية بترتيبات ما بعد الحرب.

كما تتردد أسماء شخصيات فلسطينية مثيرة للجدل، يُعتقد أنها تحظى بدعم إماراتي، في سياق مشاريع بديلة للتمثيل الوطني الفلسطيني، ما يعزز المخاوف من سعي أبوظبي إلى لعب دور الوصي السياسي والأمني على القطاع.

وتتمثل دلالة أخرى لا تقل أهمية في توقيت هذا الدفع السياسي، فهو يأتي في لحظة تتعرض فيها دولة الاحتلال لضغوط دولية غير مسبوقة بسبب حربها على غزة، وفي وقت يتآكل فيه الخطاب الغربي التقليدي حول “الدفاع عن النفس”.

في مثل هذا السياق، يحتاج اللوبي اليهودي إلى واجهة جديدة تُخفف من حدة الاتهام، ولا توجد أفضل من دولة عربية تقدّم نفسها كراعٍ للسلام والتنمية. الإمارات، بخطابها الإعلامي الناعم وعلاقاتها الواسعة في واشنطن، تبدو الأداة المثالية لهذا الدور.

لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر عميقة، ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على استقرار المنطقة بأسرها. ففرض نموذج إماراتي–إسرائيلي على غزة بالقوة أو بالالتفاف السياسي يعني عمليًا استدامة الصراع لا حله، وإعادة إنتاج التصعيد بأشكال جديدة.

كما أنه يضع الإمارات في مواجهة مباشرة مع الوجدان العربي، الذي لا يزال يرى في غزة رمزًا للمقاومة والصمود، لا مشروعًا عقاريًا أو مختبرًا أيديولوجيًا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى