نهج السلطة الفلسطينية بين الانقسام الاجتماعي وتآكل مقومات الصمود

دفع نهج السلطة الفلسطينية إلى إحداث انقسام اجتماعي وتآكل مقومات الصمود داخل المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته العدوانية وسط شبهات تفشي الفساد وسوء الإدارة والتخبط في القرارات والسياسات.
ويبرز الناشط السياسي جهاد عبدو أن سلوك سلطة رام الله ومؤسساتها أدى عملياً إلى شق المجتمع الفلسطيني إلى طبقتين واضحتين.
وبحسب عبدو تضم الطبقة الأولى شريحة من المتنفذين ورجال الأعمال المرتبطين بمراكز القرار، الذين استفادوا من شبكة المصالح والعقود والامتيازات، وتحوّل بعضهم إلى ما يشبه “طبقة فوق المجتمع”، تمتلك النفوذ والموارد وتتحكم في مفاصل الاقتصاد المحلي.
أما الطبقة الثانية، فهي غالبية المواطنين الذين انحصر دورهم في البحث عن العمل وتأمين الدخل في بيئة اقتصادية هشة، مع تراجع فرص الحراك الاجتماعي وتضاؤل الأفق السياسي.
السلطة الفلسطيينة ويكيبيديا
بحسب عبدو فإن هذا الواقع يعكس حالة احتقان متصاعدة في الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل استمرار الأزمة المالية للسلطة، وتراجع المساعدات الخارجية، واحتجاز الاحتلال لأموال المقاصة، إضافة إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتجارة.
ومعروف أن أي خلل خلال الأزمات الاقتصادية والمالية الصعبة في ظل توزيع الموارد أو في إدارة المال العام يمثل عاملاً مضاعفاً للغضب الشعبي.
وبحسب مراقبين فإن المشكلة لا تتوقف عند البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى البنية السياسية.
إذ أن استمرار تعطّل الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ سنوات، وغياب آليات المساءلة الفعّالة، عززا شعوراً عاماً بأن النظام السياسي بات مغلقاً أمام التجديد والمشاركة.
ويخلق هذا الانسداد، وفق المراقبين، بيئة تسمح بترسخ شبكات المصالح وتغليب الولاءات الشخصية أو الفصائلية على معايير الكفاءة والشفافية.
ضم الضفة الغربية
يتقاطع هذا الواقع بشدة في الضفة الغربية مع سياسات الاحتلال التوسعية، ولا سيما الاستيطان ومصادرة الأراضي.
ومع كل توسع استيطاني جديد، تتعاظم الأسئلة حول قدرة القيادة على حماية الأرض ومواجهة الوقائع الميدانية.
ويرى مراقبون أن ضعف الجبهة الداخلية وانقسامها طبقياً وسياسياً يسهمان في إضعاف الموقف الوطني، ويمنحان الاحتلال مساحة أوسع لفرض حقائق جديدة على الأرض.
ووصف عبدو لما يجري بأنه “أكبر دعم لكيان الاحتلال” ينطلق من فكرة أن تآكل الثقة الداخلية وفقدان العدالة الاجتماعية يؤديان إلى إضعاف مقومات الصمود.
فالمجتمع الذي يشعر جزء واسع منه بالتهميش أو الظلم يصبح أقل قدرة على تحمّل الضغوط الطويلة الأمد، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية.
في المقابل، تؤكد السلطة الفلسطينية في بياناتها الرسمية أنها تواجه ظروفاً استثنائية ومعقدة، وتحمّل الاحتلال مسؤولية الاختناق المالي والاقتصادي، مشيرة إلى أن سيطرتها محدودة بفعل الاتفاقيات الموقعة والقيود الإسرائيلية.
غير أن التحدي الأساسي يبقى في استعادة الثقة الشعبية. فالثقة لا تُبنى فقط عبر الخطاب، بل عبر خطوات ملموسة في مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل مؤسسات الرقابة، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع.
كما أن إعادة الاعتبار للبعد الوطني الجامع تتطلب معالجة الانقسام الداخلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي أضعف الموقف الفلسطيني لسنوات.
وبحسب مراقبين فإن التداعيات المحتملة لاستمرار النهج الحالي تمتد إلى المستقبل السياسي برمته، حيث مع تصاعد الاستيطان وتراجع فرص الحل السياسي، يصبح الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه شرطاً أساسياً لأي استراتيجية مواجهة.
وبالتالي فإن أي تصدع داخلي عميق قد ينعكس مباشرة على القدرة التفاوضية وعلى صورة المشروع الوطني في نظر جمهوره أولاً، والعالم ثانياً.





