السلطة تلاحق المزارعين بالفواتير.. ضرائب المياه تضرب من يحرسون الأرض بالضفة

أثارت مطالبات مالية وجهتها سلطة المياه الفلسطينية إلى المزارعين تحت بند “بدل استخراج المياه” موجة انتقادات واسعة بشأن السياسات الحكومية تجاه القطاع الزراعي، في وقت يعاني فيه المزارعون الفلسطينيون من أزمات متراكمة بفعل القيود الإسرائيلية وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الدعم الرسمي.
وأظهرت وثائق صادرة عن سلطة المياه مطالبة بعض أصحاب الآبار الزراعية بتسديد مبالغ مالية متراكمة مقابل استخراج المياه، وصلت في بعض الحالات إلى آلاف الشواكل، الأمر الذي فتح نقاشاً واسعاً حول توقيت هذه الإجراءات وانعكاساتها على مزارعين يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة.
وتأتي هذه المطالبات في مرحلة يصفها مزارعون بأنها من أصعب الفترات التي مر بها القطاع الزراعي الفلسطيني، حيث ترتفع أسعار الوقود والكهرباء والأسمدة والأعلاف ومدخلات الإنتاج، مقابل تراجع قدرة المزارعين على تحقيق أرباح مستقرة نتيجة تقلب الأسعار ومحدودية الأسواق وصعوبة الوصول إلى الأراضي في مناطق عديدة.
ويبرز مختصون أن تعامل المؤسسات الرسمية مع ملف المياه من زاوية الجباية فقط يتجاهل طبيعة الواقع الفلسطيني، كون أن المياه لا تمثل مورداً اقتصادياً عادياً، بل تقع في قلب الصراع على الأرض والبقاء، خصوصاً في ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على جزء كبير من مصادر المياه وفرض قيود واسعة على تطوير البنية التحتية المائية الفلسطينية.
تراجع الإنتاج الزراعي الفلسطيني
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني تراجعت خلال العقود الماضية، لتدور في السنوات الأخيرة حول أقل من 10% من الاقتصاد، بعدما كان القطاع تاريخياً أحد أعمدة الاقتصاد الفلسطيني ومصدراً رئيسياً للعمل والدخل في المناطق الريفية.
ويعتبر خبراء أن هذا التراجع يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها القطاع بسبب مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والقيود على المياه والحركة، إضافة إلى ضعف السياسات الحكومية الداعمة للمزارعين.
وتواجه الزراعة الفلسطينية تحدياً مزدوجاً، فمن جهة تستهدف السياسات الإسرائيلية الأرض والمياه باعتبارهما أساس الوجود الفلسطيني، ومن جهة أخرى يشكو المزارعون من زيادة الأعباء المالية والإدارية المفروضة عليهم من مؤسسات السلطة الفلسطينية.
وتصاعدت الانتقادات بعد مطالبات “بدل استخراج المياه”، إذ اعتبر مزارعون ونشطاء أن الأولوية يجب أن تكون لدعم صمود أصحاب الأراضي بدلاً من تحميلهم أعباء إضافية، خاصة أن كثيراً من المشاريع الزراعية بالكاد تغطي تكاليف تشغيلها.
الضرائب الحكومية الفلسطينية
أكد مراقبون أن تطبيق القوانين بطريقة جامدة دون مراعاة الواقع الاقتصادي والاجتماعي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، معتبرين أن السؤال الأساسي قبل فرض الرسوم يجب أن يكون حول قدرة المزارع على الدفع، وحجم الأرباح الفعلية التي يحققها من استخدام هذه المياه.
وتشير شكاوى المزارعين إلى أن كثيراً من أصحاب الأراضي يستمرون بالعمل الزراعي للحفاظ على الأرض أكثر من تحقيق أرباح تجارية، خاصة في المناطق المهددة بالمصادرة والاستيطان، حيث تتحول الزراعة إلى وسيلة حماية للوجود الفلسطيني.
وفي المقابل، تقول المؤسسات الرسمية عادة إن تنظيم استخدام الموارد المائية وتحصيل الرسوم يهدف إلى إدارة القطاع وضمان العدالة في توزيع الموارد، إلا أن هذه المبررات تواجه انتقادات بسبب غياب برامج دعم كافية تعوض المزارعين عن الأعباء المفروضة عليهم.
ويطالب خبراء زراعيون بإعادة النظر في طريقة التعامل مع القطاع الزراعي عبر اعتماد سياسات تقوم على الحماية والتحفيز بدلاً من التركيز على الرسوم والتحصيل، خصوصاً أن الزراعة ترتبط بالأمن الغذائي الفلسطيني وبقدرة المواطنين على الصمود فوق أراضيهم.
كما يدعو مختصون إلى وضع تصنيفات واضحة تميز بين الاستخدام التجاري الكبير للمياه وبين المزارعين الصغار الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل محدود، مؤكدين أن المساواة بين الحالات المختلفة قد تزيد من تراجع القطاع.
وتكشف أزمة رسوم المياه عن فجوة أوسع بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد دعم الزراعة وبين واقع المزارعين الذين يواجهون أعباء متزايدة، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى خطط إنقاذ طويلة المدى لمواجهة آثار الاحتلال والتغيرات الاقتصادية.
واستمرار الضغط المالي على المزارعين قد يدفع المزيد منهم إلى ترك الزراعة، ما يعني خسارة اقتصادية واجتماعية تتجاوز قيمة الرسوم المحصلة، لأن ضعف القطاع الزراعي ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي وعلى ارتباط الفلسطيني بأرضه.
وبين تحديات الاحتلال وسياسات الجباية الحكومية للسلطة، يبقى المزارع الفلسطيني أمام معادلة صعبة، يدافع فيها عن أرض تتعرض للاستهداف بينما يطالب في الوقت نفسه بتحمل أعباء مالية جديدة تزيد من صعوبة استمرار الإنتاج الزراعي.






