اعتقال قيادات “أسطول الصمود” في تونس يفضح تناقض خطاب قيس سعيّد

تكشف التطورات الأخيرة في تونس عن تناقض صارخ بين خطاب السلطة الداعم لفلسطين وممارساتها على الأرض، بعد إقدامها على اعتقال قيادات بارزة في “أسطول الصمود” وإيداعهم السجن، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وأعادت طرح تساؤلات حول مصداقية الموقف الرسمي.
وقد بدأت الوقائع بسلسلة إجراءات أمنية مهّدت لإجهاض نشاط الأسطول، الذي يُعد من أبرز المبادرات الشعبية لكسر الحصار عن قطاع غزة، حيث منعت السلطات التونسية دخول نشطاء دوليين إلى مرفأ سيدي بوسعيد.
كما رحّلت تلك السلطات الناشط الفلسطيني سيف أبو كشك ونشطاء آخرين، ومنعت عقد مؤتمر صحفي للإعلان عن الرحلة المقبلة.
وتوجت هذه الإجراءات باعتقال قيادات الأسطول، وعلى رأسهم وائل نوار وعدد من النشطاء والأطباء والمتطوعين، وإصدار بطاقات إيداع بالسجن بحقهم بتهم مالية ثقيلة، تشمل “غسل الأموال والتدليس والتحايل”.
أسطول الصمود ويكيبيديا
كشفت هيئة الدفاع أن هذه التهم وُجهت دون استنطاق فعلي للمتهمين، حيث اقتصر التحقيق على عرض قائمة الاتهامات، دون مناقشة الوقائع أو تمكين الدفاع من الترافع، ما يثير شكوكاً جدية حول طبيعة الملف ومساره.
وتعزز هذه المعطيات فرضية أن القضية ذات طابع سياسي، خاصة أن الأسطول حظي بدعم شعبي واسع، ونجح في تعبئة آلاف التونسيين خلال رحلاته السابقة، التي تحولت إلى مشهد جماهيري غير مسبوق في دعم غزة.
وتُظهر الأرقام أن أكثر من أربعة آلاف تونسي شاركوا في جمع التبرعات، فيما احتشد عشرات الآلاف لتوديع القوافل، ما جعل من تونس مركزاً متقدماً للحراك الشعبي المناصر للقضية الفلسطينية.
وتعكس هذه الشعبية أحد أسباب التضييق، حيث تسعى السلطات التونسية إلى احتواء هذا الزخم، خاصة مع اقتراب إطلاق جولة جديدة من الأسطول كانت مقررة في أبريل، ما يفسر توقيت الاعتقالات.
كذلك تكشف القضية عن مفارقة لافتة، إذ لم يتوقع النشطاء الذين واجهوا الاعتقال في سجون الاحتلال خلال محاولاتهم الوصول إلى غزة، أن يُلاحقوا داخل بلدهم بسبب النشاط ذاته.
ويدعم ذلك الاتهامات بأن الهدف الحقيقي هو إجهاض التحرك المقبل للأسطول، وتفادي الإحراج السياسي الذي قد يسببه على الصعيدين الداخلي والدولي.
تونس والتطبيع مع الاحتلال
تثير التهم الموجهة للنشطاء انتقادات واسعة، حيث تصفها أوساط حقوقية بأنها “واهية”، وتصل إلى حد التشكيك في كونها غطاءً قانونياً لقرار سياسي مسبق مع الإشارة إلى حملات التشويه التي رافقت القضية على وسائل التواصل، والتي قادها أنصار السلطة، في محاولة للتأثير على الرأي العام.
في المقابل، حظيت القضية بتغطية لافتة في الإعلام الإسرائيلي، الذي احتفى باعتقال قيادات الأسطول، وقدم روايات تتهمهم بصلات مع فصائل فلسطينية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتبرير الإجراءات التونسية.
وتُظهر هذه التغطية حساسية الدور الذي لعبه الأسطول، خاصة بعد تحوّل تونس إلى نقطة ارتكاز للحراك الدولي لكسر الحصار عن غزة خلال عام 2025.
وتتسع دائرة الرفض داخلياً، حيث خرجت تظاهرات رافضة للاعتقالات، ورفعت شعارات تندد بـ”تجريم النضال من أجل فلسطين”، ما يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي.
وبحسب مراقبين تضع هذه التطورات الرئيس التونسي قيس سعيّد أمام اختبار مصداقية، خصوصاً بعد تصريحاته المتكررة الداعمة لفلسطين، ورفعه شعار “التطبيع خيانة عظمى” منذ وصوله إلى السلطة.
غير أن هذا الخطاب يتناقض مع ممارسات السلطة، التي عطلت قانون تجريم التطبيع في 2023، وتلاحق اليوم نشطاء يعملون على دعم غزة ما يعكس تآكلاً في الثقة بين الخطاب الرسمي والواقع وأن السلطات التونسي توظف القضية الفلسطينية سياسياً فقط.





