الانشقاقات الداخلية في فتح تعري حدة تدهور مكانة الحركة تحت قيادة عباس

تكشف موجة الانشقاقات الداخلية والانتقادات المتصاعدة في حركة فتح عن اتساع حجم الأزمة التنظيمية والسياسية التي تواجهها الحركة في ظل قيادة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في ظل تراجع دورها التاريخي وتحولها بعيداً عن مشروعها الذي تأسست عليه كحركة تحرر وطني.
ويرى مراقبون أن التصريحات الصادرة عن قيادات وكوادر في فتح تعكس عمق الخلافات الداخلية خاصة مع تصاعد الانتقادات لنهج القيادة الحالية وتمسكها بمسار التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي والابتعاد كليا عن المبادئ التي جذبت أجيالاً من الفلسطينيين إلى صفوف الحركة.
وجاءت أحدث هذه المواقف بإعلان المحرر المبعد يوسف عبد الحليم داود انسحابه الكامل والنهائي من حركة فتح وجميع أطرها التنظيمية، مؤكداً أن الحركة “لم تعد كما كانت” ولم تعد تعبر عن المبادئ التي انتمى إليها خلال سنوات نشاطه.
وقال داود في بيان نشره إن مسيرته داخل فتح بدأت منذ الطفولة، قبل أن ينضم لاحقاً إلى كتائب شهداء الأقصى التابعة للحركة، ثم يمضي 22 عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي قبل تحرره في صفقة التبادل الأخيرة.
وأوضح أن قرار الانسحاب جاء بعد قناعة بأن “فتح الحالية لم تعد الحركة التي انتمينا إليها، ولا باتت تلبي طموحات شعبنا”، مشيراً إلى أنها أصبحت تتردد في تبني إرث الشهداء والأسرى وحماية تضحياتهم.
وأكد داود أن خروجه يتعلق بالإطار التنظيمي فقط وليس بالمشروع الوطني الفلسطيني، قائلاً: “أخرج من التنظيم، لكنني لا أخرج من خندق فلسطين”، مشدداً على استمرار تمسكه بخيار المقاومة والتحرير.
حركة فتح ويكيبيديا
جاء موقف داود بعد تصريحات مشابهة أطلقها القيادي السابق في حركة فتح سفيان أبو زايدة، الذي أعلن أن الحركة أصبحت بالنسبة له “تاريخاً”، في تعبير عن حجم القطيعة السياسية والتنظيمية بين عدد من رموز فتح والقيادة الحالية.
وقال أبو زايدة في تسجيل مصور إنه التحق بالحركة في سن مبكرة وخاض تجربة اعتقال طويلة داخل السجون الإسرائيلية، كما تولى أدواراً قيادية بين الأسرى قبل انتقاله للعمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أنه شغل عدة مواقع رسمية بينها العمل مفاوضاً ووزيراً ووكيل وزارة ومديراً عاماً، قبل انتخابه عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح خلال المؤتمر السادس.
وأوضح أن استقالته من فتح جاءت احتجاجاً على تجاوز قوانين الحركة واتخاذ إجراءات ظالمة بحق عدد من كوادرها، إلى جانب تراجع احترام المؤسسات التنظيمية الداخلية.
وأكد أبو زايدة أن ما جذبه سابقاً إلى فتح كان طابعها الوطني الشامل وقدرتها على استيعاب مختلف التوجهات وحرصها على الدم الفلسطيني وانفتاحها عربياً ودولياً، معتبراً أن هذه السمات شهدت تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة.
وقال إن فتح ما زالت تمثل بالنسبة له “تاريخاً مشرفاً”، لكنه لم يعد يرى فيها الواقع السياسي والتنظيمي الذي دفعه سابقاً إلى الانضمام إليها.
فتحت تحت زعامة محمود عباس
سبق أن وجه القيادي الفتحاوي سميح خلف انتقادات حادة لمسار الحركة الحالي، مؤكداً أن فتح بصيغتها الراهنة لم تعد تمثل حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تأسست من أجل تحرير فلسطين.
وقال خلف إن الخلاف لا يرتبط باسم الحركة وإنما بمدى التزامها بجوهر مشروعها الأصلي، متسائلاً عن سبب الابتعاد عن مفهوم “حركة التحرر الوطني الفلسطيني” لصالح واقع سياسي مختلف.
وانتقد استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي وحالة التعايش مع الوضع القائم، معتبراً أن ذلك يتعارض مع فكرة حركة التحرر الوطني.
وأشار خلف إلى وجود تشابك مصالح بين بعض دوائر السلطة ومؤسسات اقتصادية وأمنية مرتبطة بالاحتلال، مؤكداً أن هذه التحولات خلقت فجوة واسعة بين الخطاب التاريخي للحركة وممارساتها الحالية.
ويرى مراقبون أن تعدد الأصوات المنتقدة من داخل البيئة الفتحاوية يعكس أزمة أعمق من مجرد خلافات فردية بحيث ترتبط بمستقبل الحركة وهويتها السياسية بعد عقود من التحولات التي رافقت قيام السلطة الفلسطينية.
ويؤكد هؤلاء أن استمرار الانقسامات والاستقالات العلنية يمثل مؤشراً على تراجع قدرة القيادة الحالية على احتواء التيارات الداخلية، في وقت تواجه فيه فتح تحديات متزايدة تتعلق بشعبيتها ودورها في المشهد الفلسطيني.





