استثناء قيادات السلطة وفتح من خصومات الرواتب يفضح فساداً مالياً متجذراً

تتسع دائرة الغضب في الضفة الغربية مع تصاعد احتجاجات الموظفين العموميين، عقب كشف استثناء قيادات السلطة الفلسطينية والحكومة وحركة فتح من قرارات خصم الرواتب، في وقت تُفرض فيه إجراءات تقشفية قاسية على آلاف الموظفين.
وأكد موظفون أن قرارات الخصم لم تطل كبار المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء محمد مصطفى، الذي يتقاضى راتباً شهرياً يُقدّر بنحو 55 ألف دولار، إضافة إلى الوزراء وكبار مسؤولي الأجهزة الأمنية، الذين جرى استثناؤهم بقرار مباشر من رئيس السلطة محمود عباس.
وأقر عباس ميزانية طوارئ جديدة في ظل أزمة مالية متفاقمة، إلا أن تفاصيلها كشفت عن استمرار النهج ذاته، حيث تتحمل القاعدة الوظيفية عبء الأزمة، بينما تُحمى الطبقة الحاكمة من أي تبعات مالية.
وتشير بيانات الموازنة إلى أن الإيرادات المتوقعة تبلغ نحو 15.7 مليار شيكل (قرابة 5 مليارات دولار)، تشمل أموال المقاصة المحتجزة، في حين تصل النفقات إلى 17.6 مليار شيكل، ما يعكس عجزاً مالياً مستمراً رغم إجراءات التقشف المعلنة.
وتذهب الحصة الأكبر من هذه النفقات إلى بند الرواتب، خصوصاً رواتب كبار المسؤولين وعناصر الأجهزة الأمنية، في ظل غياب أي مؤشرات على إصلاحات حقيقية أو إعادة هيكلة الإنفاق العام.
فساد السلطة الفلسطينية
يعكس هذا الواقع، وفق مراقبين، خللاً عميقاً في إدارة المال العام، حيث تُستخدم الميزانية كأداة لتثبيت النفوذ السياسي، بدلاً من توجيهها نحو معالجة الأزمة الاقتصادية وتحسين الخدمات الأساسية.
ويتزامن ذلك مع تفاقم الدين العام، الذي تجاوز مستويات خطيرة، حيث تشير تقديرات إلى أن الدين الحكومي بلغ نحو 3.6 مليار دولار، وهو رقم يفوق قدرة الجهاز المصرفي المحلي على التحمل.
وأوضح خبراء اقتصاديون أن البنوك الفلسطينية باتت تقرض الحكومة بأكثر من رأسمالها الفعلي، ما يشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار المالي، في حال استمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل الرواتب والنفقات الجارية.
وحذر هؤلاء من أن استمرار الضغط على البنوك للحصول على تسهيلات جديدة قد يؤدي إلى أزمة مصرفية، في ظل محدودية السيولة وتراجع الثقة في قدرة الحكومة على السداد.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يشير خبراء إلى أن الأزمة المالية لا تعود فقط إلى تراجع الدعم الخارجي أو احتجاز أموال المقاصة، بل إلى عوامل داخلية تتعلق بسوء الإدارة والفساد المالي وغياب التخطيط الاقتصادي.
وأكد هؤلاء أن جزءاً كبيراً من الأموال العامة يتركز في حسابات بنكية مرتبطة بشخصيات نافذة، ما يعكس خللاً بنيوياً في توزيع الموارد، ويعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
ويعتبر مراقبون أن استمرار هذه السياسات يعزز الشعور بالظلم لدى الموظفين، الذين يواجهون اقتطاعات متكررة من رواتبهم، في وقت تبقى فيه امتيازات المسؤولين خارج أي مساءلة.
ويتجلى هذا التناقض في الخطاب الرسمي الذي يبرر الإجراءات التقشفية بالأزمة المالية، بينما تكشف الوقائع عن غياب أي إجراءات تقشفية حقيقية تمس مراكز النفوذ داخل السلطة.
وتزداد حدة الانتقادات مع غياب الشفافية في إدارة المال العام، حيث لا تتوفر بيانات واضحة حول أوجه الإنفاق، ولا آليات رقابة فعالة تضمن محاسبة المسؤولين.
ويرى محللون أن هذا النمط من الإدارة يعكس فشلاً سياسياً واقتصادياً متراكماً، أدى إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية، ودفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى التشكيك في جدوى السياسات المالية الحالية.
كما يحذر اقتصاديون من أن استمرار الأزمة دون إصلاحات جذرية قد يؤدي إلى تداعيات أوسع، تشمل ركوداً اقتصادياً أعمق، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
في المقابل، تتزايد الدعوات لإعادة هيكلة النظام المالي، وفرض معايير شفافة لإدارة الموارد، ووقف الامتيازات غير المبررة لكبار المسؤولين، باعتبارها خطوات أساسية لاستعادة الثقة. غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود إرادة سياسية حقيقية لإجراء هذه الإصلاحات، في ظل استمرار نفس النهج الذي يحمّل الفئات الأضعف كلفة الأزمة.





