الفساد المالي وغياب الاستراتيجية يسرعان تدهور الاقتصاد في الضفة الغربية

يكشف تزايد المؤشرات الاقتصادية والمالية في الضفة الغربية عن مسار متسارع نحو مزيد من التدهور، في ظل تداخل عاملين رئيسيين يتمثلان في تصاعد الفساد المالي وغياب استراتيجية اقتصادية متماسكة، ما ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطنين ويعمّق الاختلالات البنيوية داخل الاقتصاد الفلسطيني.
ويؤكد الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم أن موجة الارتفاع الحاد في الأسعار ترتبط بسياسات اقتصادية “منحازة” تنتهجها السلطة الفلسطينية، لا تراعي الفئات الهشة، وتدفعها نحو مزيد من الفقر والتهميش، في وقت تميل فيه القرارات الاقتصادية إلى خدمة مصالح فئات محددة ذات نفوذ.
ويشير هذا التوصيف إلى خلل هيكلي في عملية صنع القرار الاقتصادي، حيث تتحول السياسات العامة إلى أدوات لإعادة توزيع الموارد لصالح طبقات ميسورة، على حساب الشرائح الأكثر ضعفاً، ما يؤدي إلى تآكل العدالة الاجتماعية وتوسيع الفجوة بين الطبقات.
وتعكس هذه المعطيات بنية اقتصادية تدار وفق منطق المصالح الضيقة، إذ يتحمل المواطن العادي كلفة الأزمات المتلاحقة، بينما تستمر الامتيازات والتسهيلات في التدفق نحو فئات مرتبطة بمراكز القرار، في ظل غياب آليات رقابة فعالة.
فساد السلطة الفلسطينية
تدعم نتائج استطلاع الرأي صادر حديثا عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) هذه القراءة، حيث يرى 63% من المواطنين أن الفساد منتشر بشكل كبير في المجتمع الفلسطيني خلال عام 2025، ما يشير إلى تآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية.
وتكشف الأرقام أن 81% من المستطلعين يعتقدون أن الفساد يرتكبه موظفو الفئات العليا، فيما يرى 65% أن السلطة التنفيذية هي الأكثر عرضة لهذه الظاهرة، ما يعكس قناعة عامة بأن الفساد ليس هامشياً بل متجذر في مراكز القرار.
ويحتل القطاع العام المرتبة الأولى بين القطاعات الأكثر عرضة للفساد بنسبة 68%، وهو ما يعكس اختلالاً في إدارة الموارد العامة، ويثير تساؤلات حول كفاءة الإنفاق الحكومي وآليات توزيع الموازنات.
إيرادات الحكومة الفلسطينية
تظهر البيانات المالية الرسمية أن حكومة محمد مصطفى جمعت إيرادات تجاوزت 11.3 مليار شيكل حتى نهاية نوفمبر 2025، ما يكشف عن قدرة مالية قائمة، لكنها لا تنعكس على تحسن ملموس في الواقع المعيشي.
وتعتمد هذه الإيرادات بشكل أساسي على الضرائب، حيث تتصدر أموال المقاصة، خاصة الجمارك، قائمة الموارد بإجمالي 3.78 مليار شيكل، ما يعكس ارتباط الاقتصاد الفلسطيني ببنية مالية خاضعة لسيطرة الاحتلال.
وتأتي ضريبة المحروقات في المرتبة الثانية بإيرادات بلغت نحو 2.84 مليار شيكل، في مؤشر واضح على حجم العبء المفروض على المواطنين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وانعكاس ذلك على مختلف القطاعات.
وتسجل ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة عبر المقاصة نحو 1.93 مليار شيكل، إضافة إلى أكثر من مليار شيكل من ضريبة القيمة المضافة المحلية، ما يعزز اعتماد السلطة على الاستهلاك كمصدر رئيسي للإيرادات.
غياب التوزيع العادل للدخل
تعكس إيرادات ضريبة الدخل، التي بلغت 761 مليون شيكل، توجهاً متزايداً نحو تحميل الأفراد والموظفين أعباء مالية مباشرة، في ظل غياب سياسات تعيد توزيع الدخل بشكل عادل.
وتشكل الضرائب والرسوم نحو 80% من إجمالي الموازنة، مقابل اعتماد محدود على المساعدات الخارجية لا يتجاوز 20%، ما يضع الاقتصاد الفلسطيني أمام معادلة ضاغطة تقوم على الجباية المكثفة دون تحقيق تنمية حقيقية.
ويتقاطع هذا النهج المالي مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالفساد الإداري والمالي داخل مؤسسات السلطة، حيث كشفت تقارير حديثة عن ممارسات تثير شكوكاً حول إدارة المال العام وفعالية أدوات الرقابة.
وتؤدي هذه المعادلة إلى استنزاف مزدوج، يتمثل في ارتفاع الضرائب من جهة، وضعف كفاءة الإنفاق من جهة أخرى، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية على المواطنين دون تحقيق تحسن في الخدمات أو البنية التحتية.
ويشير مراقبون إلى أن غياب استراتيجية اقتصادية واضحة يفاقم الأزمة، حيث تفتقر السياسات الحالية إلى رؤية تنموية طويلة الأمد، وتعتمد بدلاً من ذلك على إجراءات قصيرة المدى تركز على تأمين الإيرادات.
ويرتبط هذا القصور أيضاً بعدم معالجة التشوهات الهيكلية في الاقتصاد، مثل الاعتماد على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وغياب الحوافز للاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بشكل متسارع، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات أو تراجع مستويات الدخل، ما يرفع من معدلات الفقر ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي، في ظل تزايد الشعور بالظلم الاقتصادي وغياب العدالة في توزيع الموارد، خاصة مع تصاعد الإدراك الشعبي بانتشار الفساد.
وتعكس هذه التطورات أزمة مركبة تجمع بين سوء الإدارة المالية، وغياب الشفافية، وانعدام الرؤية الاقتصادية، ما يضع الاقتصاد في الضفة الغربية أمام تحديات متفاقمة تهدد استقراره على المدى القريب.





